تسجيل الدخول


الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف

1 من 1
الوليد بن عقبة:

الوليد بن عقبة بن أبي معيط، واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو، واسم أبي عمرو ذكوان بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف وقد قيل‏:‏ إن ذكوان كان عَبْدًا لأميّة فاستلحقه؛ والأوّل أكثر وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس أم عثمان بن عفان، فالوليد بن عقبة أخو عثمان لأمه‏.‏ يُكْنَى أبا وهب. أسلم يوم الفتح هو وأخوه خالد بن عقبة، وأظنّه يومئذ كان قد ناهز الاحتلام‏.‏ قال الوليد‏:‏ لما افتتح رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم مكة جعل أهل مكّة [[يأتونه]] بصبيانهم، فيمسح على رؤوسهم، ويدعو لهم بالبركة، قال: فأتي بي إليه وأنا مضمخ بالخلوق، فلم يمسح على رأسي، ولم يمنعه من ذلك إلا أنّ أمي خلقتني، فلم يمسحني من أَجْل الخلوق. وهذا الحديث رواه جعفر بن بُرْقان، عن ثابت بن الحجاج، عن أبي موسى الهمداني، ويقال الهمذاني، كذلك ذكره البخاريّ على الشّك عن الوليد بن عقبة. وقالوا: وأبو موسى هذا مجهول، والحديث منكر مضطرب لا يصحّ، ولا يمكن أن يكون من بُعِث مصدقًا في زمن النّبي صَلَّى الله عليه وسلم صبيًّا يوم الفتح‏.‏ ويدلّ أيضًا على فساد ما رواه أبو موسى المجهول أنّ الزّبير وغيره من أهل العلم بالسِّيَر والخبر ذكروا أنّ الوليد وعمارة ابني عقبة خرجا ليردَّا أختهما أمّ كلثوم عن الهجرة، فكانت هجرتها في الهدنة بين النّبي صَلَّى الله عليه وسلم وبين أهل مكّة. وقد ذكرنا الخبر بذلك في باب أم كلثوم؛ ومَنْ كان غلامًا مخلّقًا يوم الفتح ليس يجيء منه مثل هذا؛ وذلك واضح والحمد لله رب العالمين‏.

ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيا علمت أنّ قوله عز وجل‏:‏ ‏{إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبِأٍ} [الحجرات‏: 6‏]‏ نزلت في الوليد بن عقبة، وذلك أنه بعثه رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقًا، فأخبر عنهم أنهم ارتدُّوا وأَبَوْا من أداء الصّدقة، وذلك أنهم خرجوا إليه فهابَهم، ولم يعرف ما عندهم؛ فانصرف عنهم وأخبر بما ذكرْنَا؛ فبعث إليه رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، وأمره أنْ يتثبت فيهم، فأخبروه أنهم متمسِّكون بالإسلام، ونزلت‏:‏ ‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ...} [الحجرات‏: ‏6‏]‏ الآية. وروي عن مجاهد وقتادة مثل ما ذَكرنا، حدّثنا خلف بن قاسم، حدّثنا ابن المفسر بمصر، حدّثنا أحمد بن علي، حدّثنا يحيى بن معين، قال: حدّثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن هلال الوزان، عن ابن أبي ليلى في قوله عزّ وجلّ‏:‏ {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ...} [الحجرات‏: ‏6‏]‏ الآية‏، قال:‏ نزلَتْ في الوليد بن عقبة بن أبي معيط. ومن حديث الحكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال‏:‏ نزلت في عليّ بن أبي طالب والوليد بن عقبة في قصةٍ ذكرها:‏ ‏{أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ} [السجدة‏: ‏18‏]. ثم ولاه عثمان الكوفة، وعزل عنها سعد بن أبي وقّاص، فلما قدم الوليد على سعد قال له سعد: والله ما أدْرِي أكسْت بعدنا أم حمقنا بعدك؟ فقال‏:‏ لا تجزعنَّ أبا إسحاق فإنما هو الملك يتغدّاه قوم ويتعشّاه آخرون. فقال سعد: أراكم والله ستجعلونها ملكًا.

وروى جعفر بن سليمان، عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين، قال: لما قدم الوليد ابن عقبة أميرًا على الكوفة أتاه ابنُ مسعود فقال له: ما جاء بك؟ قال: جئت أميرًا. فقال ابن مسعود: ما أدري أصلحْتَ بعدنا أم فسد الناس. وله أخبار فيها نكارة وشناعة تقطع على سوء حاله وقُبْح أفعاله، غفر الله لنا وله؛ فلقد كان من رجال قريش ظرفًا وحلمًا وشجاعة وأدبًا، وكان من الشّعراء المطبوعين، وكان الأصمعيّ وأبو عبيدة وابن الكلبي وغيرهم يقولون: كان الوليد بن عقبة فاسقًا شرّيب خمر، وكان شاعرًا كريمًا تجاوزَ الله عنا وعنه‏.

قال أبو عمر‏: أخباره في شرب الخمر ومنادمته أبا زبيد الطائي مشهورة كثيرة يسمج بنا ذكرها هنا، ونذكر منها طرفًا:‏ ذكر عمر بن شبة، قال: حدّثنا هارون بن معروف، قال: حدّثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، قال: صلّى الوليد بن عقبة بأهل الكوفة صلاة الصّبح أربع ركعات ثم التفت إليهم فقال‏:‏ أزيدكم، فقال عبد الله بن مسعود‏: ما زلنا معك في زيادةٍ منذ اليوم‏.

قال:‏ وحدّثنا محمد بن حميد، قال: حدّثنا جرير، عن الأجلح، عن الشّعبي في حديث الوليد بن عقبة حين شهدوا عليه، فقال الحطيئة‏: [الكامل]

شَهِدَ الحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّـهُ أَنَّ الوَلِيـدَ أَحَـقُّ بِالغَــدْرِ

نَـادَى وَقَـدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُـم أَأَزِيدُكُمْ سُكْرًا وَمَـا يَـدْرِي

فَأَبَوْا أَبَـا وَهْبٍ وَلـَوْ أَذِنُـوا لَقَرَنْتُ بَيْنَ الشَّفْـعِ وَالوَتْـرِ

كَفُّوا عِنَانَكَ إِذْ جَـرَيْتَ وَلَـوُ تَرَكُوا عِنَانَكَ لَمْ تَزَلْ تَجْرِي

وقال أيضًا:‏ [الوافر]

تَكَلَّمَ فِي الصَّـلَاةِ وَزَادَ فِيهَـا عَلَانِيَـةً وَجَاهَـرَ
بِالنِّفَـاقِ

وَمَجَّ الخَمْرَ فِي سُنَنِ المُصَلّى وَنَادَى وَالجَمِيعُ إِلَى افْتِرَاقِ

أَزِيدكُم عَلَى أَنْ تَحْمِدُونِـي فَمَالَكُمُ وَمَا لِي مِـنْ خلَاقِ

وخبَرُ صلاته بهم وهو سكران، وقوله: أزيدكم ــ بعد أن صلَّى الصّبح أربعًا مشهورٌ من رواية الثّقات من نقل أهل الحديث وأهل الأخبار. قال مصعب‏:‏ كان الوليد بن عقبة من رجال قريش وشعرائها، وكان له خلق ومروءة، استعمله عثمان على الكوفة إذ عزل عنها سعدًا، فحمدوه وقتًا، ثم رفعوا عليه؛ فعزله نُهْم، وولى سعيد بن العاص الكوفة، وقال بعض شعرائهم‏: [الوافر]

فَرَرْتُ مِنَ الوَلِيدِ إِلَى سَعِيدٍ كَأَهْلِ الحِجْرِ إِذْ جَزَعُوا فَبَارُوا

يَلينَا مِنْ قُرَيشٍ كُـلَّ عَـامٍ أَمِيـرُ مُحَـدِّثٍ أَوْ
مُسْتَشَـارُ

لَنَا نَـارٌ نُخَوِّفُهَـا فَنَخْشَـى وَلَيْسَ لَهُـمْ وَلَا يَخْشُـوْنَ نَارُ

وقد روى فيما ذكر الطبري أنه تعصّبَ عليه قومٌ من أهل الكوفة بَغْيًا وحسدًا، وشهدوا عليه زُورًا أنه تقيّأ الخمر، وذكر القصّة وفيها: إن عثمان قال له‏:‏ يا أخي، اصبر، فإن الله يأجرك ويبوء القوم بإثمك‏.‏ وهذا الخبر مِنْ نقل أهل الأخبار لا يصحُّ عند أهلِ الحديث، ولا له عند أهلِ العلم أصل‏.

والصَّحيح عندهم في ذلك ما رواه عبد العزيز بن المختار، وسعيد بن أبي عروبة، عن عبد الله الدانَاج، عن حصين بن المنذر أبي ساسان، أنه ركب إلى عثمان، فأخبره بقصَّة الوليد، وقدم على عثمان رجلان فشهدا عليه بشرب الخمر، وأنه صلّى الغداة بالكوفة أربعًا، ثم قال‏:‏ أزيدكم، فقال أحدهما‏:‏ رأيته يشربها، وقال الآخر‏:‏ رأيته يتقيأها. فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها. وقال لعلي‏:‏ أقِمْ عليه الحد، فقال عليّ لابن أخيه عبد الله بن جعفر‏:‏ أقِمْ عليه الحد. فأخذ السّوط وجلده، وعثمان يعدُّ، حتى بلغ أربعين فقال علي: أمسك؛ جَلَد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في الخمر أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين؛ وكلٌّ سنّة‏.

وروى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال:‏ جلد عليٌّ الوليد بن عقبة في الخمر أربعين جلدة بسوطٍ له طرفان. (قال أبو عمر)، أضاف الجلد إلى عليّ لأنه أَمر به على الوجه الذي تقدّم في الخمر.‏ قال أبو عمر: لم يروِ الوليد بن عقبة سنَّة يحتاج فيها إليه‏.

وروى ابن إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن الوليد بن عقبة، قال: ما كانت نبوّة إلّا كان بعدها ملك‏.‏ وسكن الوليد بن عقبة المدينة، ثم نزل الكوفة، وبنى بها دارًا، فلما قتل عثمان نزل البصرة، ثم خرج إلى الرقة، فنزلها واعتزل عليًا ومعاوية، ومات بها،
وبالرقة قَبْرُه، وعقبه في ضيعة له، وكان معاوية لا يرضاه، وهو الذي حرَّضه على قتال عليّ، فرب حريص محروم، وهو القائل لمعاوية يحرِّضه ويُغريه بعلي: [الطويل]

فَوَاللَّهِ مَا هِنْدٌ بِأُمِّكَ إِنْ مَضَى النَّهـ ـارُ وَلَمْ
يَثْأَرْ
بِعُثْمَـانَ
ثَائـِرُ

أَيَقْتُـلُ عَبْـدُ القَـوْمِ سَيِّـدَ
أَهْلِـهِ وَلَمْ يَقْتُـلُوهُ لَيْتُ أُمَّـكَ
عَاقِـرُ

وَإِنَّا
مَتَـى نَقْتُلْهُـمْ لَا يُقَـدْ
بِهِـمْ مَقِيدٌ وَقَدْ دَارَتْ عَلَيـهِ الدَّوَائِـرُ

وهو القائل أيضًا‏: [الطويل]

أَلَا يَا
لِلَيْلِـي
لَا تَغُـورُ
نُجُومُـهُ إِذَا غَـارَ نَجْـمٌ لَاحَ
نَجْـمٌ
يُرَاقِبُـهْ

بَنِي هَاشِمٍ رُدُّوا سِلَاحَ ابْنِِ أُخْتِكُمْ وَلَا
تَـنْهَبُـوهُ
لَا
تُحَـلُّ
مَنَـاهِبُـهْ

بَنِـي هَاشِـمٍ
لَا
تَعْجَلُونَـا
فإِنَّـهُ سَـوَاءٌ
عَلَينَـا
قَـاتِلُـوهُ
وَسَـالِبُـهْ

فَإِنَّـا
وَإِيَّاكُـمْ
وَمَا
كَـانَ
بَيْنَنَـا كَصَدْعِ الصَّفَا لَا يَرْأَبُ الصَّدْعَ شَاعِبُهْ

بَنِي هَاشِـمٍ كَيْفَ التَّعَاقُـدُ بَيْنَنَـا وَعِنْـدَ
علـيٍّ
سَـيْفُـهُ
وَحَـرَائِبُـهْ

لَعَمُرُكَ لَا أَنْسَى ابْنَ أَرْوى وَقَتْلَـهُ وَهَلْ يَنْسَيَنَّ المَاءَ مَـا عَـاشَ شَارِبُهْ

هُـمُ قَتَلُوهُ كَـي
يَكُونُـوا
مَكَانَـهُ كَمَا فَعَلَتْ يَومًـا بِكِسْـرَى مَرَازِبُـهْ

فأجابه الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب‏: [الطويل]‏

فَلَا تَسْأَلُونَـا بِالسَّـلَاحِ
فَإِنَّـهُ أُضِيعَ وَأَلْقَاهُ لَدَى الرَّوْعِ صَاحِبُهْ

وَإِنِّي لَمُجْتَابٌ إِلَيْكُـمْ بِجَحْفَـلٍ يُصِمُّ السَّمِيعَ جَرْسُـهُ وَجَلَائِبُـهْ

وَشَبَّهْتُهُ كِسْرَى وَمَا كَانَ مِثْلُهُ شَبِيهَا بِكِسْرَى هَدْيهُ وَضَرَائِبُـهْ
(< جـ4/ص 114>)
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال