تسجيل الدخول


أبو عائشة مسروق بن الأجدع الهمداني

مَسْرُوق بن الأَجْدَع، وهو عبد الرّحمن بن مالك بن أُميّة بن عبد الله:
أَخرجه أَبو موسى مختصرًا، وكان يُكنى أبا أُميّة، قال محمّد بن سعد: وهذا غلط، وروى الشعْبيّ أنّ مسروقًا كان يكنى أبا عائشة، فقال محمّد بن سعد: وهذا أصحّ، وقال هشام بن الكلبي، عن أبيه: وقد وفد الأجدع إلى عمر بن الخطّاب، وكان شاعرًا، فقال له عمر: مَن أنت؟ فقال: الأجدع، فقال: إنّما الأجدع شيطان، أنت عبد الرحمن، وقال الشّعْبِيّ: لما وفد مسروق على عمر قال: مَن أنت؟ قال: مسروق بن الأجدع، قال: الأجدع شيطان ولكنّك مسروق بن عبد الرحمن، فكان يكتب: من مسروق بن عبد الرحمن، وقال الأجُرِّيُّ، عن أبي داود: كان عمرو بن معد يكرب الكنديّ خاله، وكان أفرس فرسان اليمن أبوه، وروى أبو إسحاق أنّ مسروقًا زوّج ابنته السائب على عشرة آلاف اشترطها لنفسه، وقال: جَهَز امرأتك من عندك، قال: وجعلها مسروق في المجاهدين، والمساكين، والمكاتبين.
وروى إبراهيم بن محمّد بن المنتشر، عن أبيه قال: كان نَقْش خاتم مسروق: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وقال أبو إسحاق: كان مسروق يصلّي في برانسه، ومساتقه لا يُخرج يديه منها، وقال مسلم بن صُبيح قال: كان مسروق رجلًا مأمومًا، يعني كانت به ضربة في رأسه، فقال: ما يسرّني أنـّه ليس بي لعلّها لو لم تكن بي كنتُ في بعض هذه، وقال أبو شهاب: أظنّه يعني الجيوش.
وروى السائب الكلبي، عن أبيه قال: كان مسروق بن الأجدع قد شهد القادسيّة هو وثلاثة إخوة له: عبد الله، وأبو بكر، والمنتشر بنو الأجدع، فقُتلوا يومئذٍ بالقادسيّة، وجُرح مسروق فشُلّت يده وأصابته آمّة، وكان فقيها كوفيا، وأَدرك الجاهلية، وله إدراك، وقدم من اليمن بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال الشَّعْبِيُّ: ما رأيتُ أطْلَبَ للعلم منه، وقال الْعِجْلِيُّ: كوفي تابعيّ ثقة، أحد أصحاب عبد الله الذين كانوا يقرءون ويُفْتُون، وقال حمزة بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود: بلغني أنّ مسروق بن الأجدع أخذ بيد ابن أخٍ له فارتقى به على كُناسة بالكوفة فقال: ألا أريكم الدنيا؟ هذه الدنيا أكلوها فأفنوها، لبسوها فأبلوها، ركبوها فأنضوها، سفكوا فيها دماءهم واستحلّوا فيها مَحارِمَهم وقطعوا فيها أرحامهم، وروى أبو السّفَر، عن مُرّة قال: ما ولدت همدانيّة مثل مسروق، وقال أبو إسحاق: حجّ مسروق فما نام إلاّ ساجدًا على وجهه، وقال مسروق بن الأجدع: أتينا أمّ المؤمنين عائشة فقالت: خوضوا لابِنيّ عسلًا، ثمّ قالت: ذوقوه فإنْ رابكم منه شيء فزيدوا فيه عسلًا فإنـّي لو كنت مُفطرة لذُقته، قال: قلنا: يا أمّ المؤمنين نحن صيام، قالت: وما صومكم هذا؟ قالوا: صمنا هذا اليوم فإن كان من رمضان أدركناه وإن لم يكن منه كان تطوعًا، قال: فقالت: إنّما الصوم صوم الناس والفطر فطر الناس والذبْح ذبْح الناس، ولكني صمت هذا الشهر فوافق رمضانَ.
وروى أبو إسحاق، عن أبيه: أصبح مسروق يومًا وليس لعياله رزق فجاءته امرأته قَمِير فقالت له: يا أبا عائشة إنّه ما أصبح لعيالك اليوم رزق، قال فتبسّم وقال: والله ليأتينّهم الله برزق، وروى إبراهيم بن محمّد بن المنتشر، عن أبيه أنّ خالد بن أسيد بعث إلى مسروق بن الأجدع بثلاثين ألفًا فأبَى أن يقبلها، فقلنا له: لو أخذتَها فوصلتَ بها رحمًا، وتصدّقت بها وصنعتَ وصنعتَ، فأبَى أن يقبلها، وروى مسلم بن إبراهيم أن مسروق كان إذا خرج يخرج بِلَبِنة يسجد عليها في السفينة، وروى الشعبي أنّ مسروقًا افتدى يمينه بخمسين درهمًا، وقال عليّ بن الأقمر: كان مسروق يؤمّنا في رمضان فيقرأ العنكبوت في ركعة.
وروى أبو الضّحَى، عن مسروق أنّه سُئِل عن بيت شِعْرٍ فقال: إنّي أكره أن أجد في صحيفتي شِعرًا، وروى عامر أنّ رجلًا كان يجلس إلى مسروق يُعْرَف وجهُه، ولا يسمّي اسمه فشيّعه، وكان آخر من ودّعه فقال: إنّك قريع القرّاء، وسيّدهم، وإنّ زينك لهم زين وشينك لهم شين فلا تحدّثنّ نفسك بفقر ولا بطول عمر، وقال محمّد بن المنتشر: كان مسروق وامرأته يستحبّان أن يُرْسِل أحدُهما إلى الفرات فيُسْتَقَي له راوية فيبيعه ويتصدّق بثمنه، وروى أبو الضّحى، عن مسروق أنّه اشترى كبشًا فضحّى به فكان صاحبه يأتيه فيقول: تأتينا بشيء، تجيئنا بشيء، وقال سعيد بن جُبير: لقيني مسروق فقال: يا سعيد ما بقي شيء يُرْغَب فيه إلاّ أن نعفّر وجوهنا في هذا التراب، قال وكان بينه وبين أهله ستر، وقال مسروق: كفى بالمرء علمًا أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعمله، وقال: والمرء حقيق أن يكون له مجالس يخلو فيها فيذكر ذنوبه فيستغفر الله.
مسروق الفقيه الكوفي، قال عنه أنس بن سيرين: بلغنا بالكوفة أنّ مسروقًا كان يفرّ من الطاعون فأنكر ذلك محمّد، وقال: انطلقْ بنا إلى امرأته فلنسألها، فدخلنا عليها فسألناها عن ذلك فقالت: كلا والله ما كان يفرّ، ولكنه يقول: أيّام تشاغُل فأحبّ أن أخلو للعبادة، فكان يتنحّى فيخلو للعبادة، قالت فربّما جلستُ خلفه أبكي ممّا أراه يصنع بنفسه، قالت وكان يصلّي حتى تورّم قدماه، قالت وسمعته يقول: الطاعون، والبطن، والنّفساء، والغرق، مَن مات فيهنّ مسلمًا فهي له شهادة، وروى الشّعْبيّ، عن مسروق أنه سمع سائلًا يذكر الزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة، قال فكره مسروق أن يعطيه على ذلك شيئًا، وخاف أن لا يكون منهم، قال: فقال له: سَلْ فإنّه يعطيك البرّ والفاجرُ، وقال مسروق: لولا بعضُ الأمر لأقمتُ على أمّ المؤمنين مناحةً، وقال: صَلّيتُ خلف أبي بكر الصّدّيق فسلّم عن يمينه وعن شماله، فلمّا سلّم كان كأنـّه على الرّضْف حتى قام.
وروى أبو الضّحى أنّ مسروقًا شفع لرجل بشفاعة فأهدى له جاريةً فغضب وقال: لو علمتُ أنّ هذا في نفسك ما تكلّمتُ فيها، ولا أتكلّم فيما بقي منها أبدًا! سمعتُ عبد الله بن مسعود يقول: مَن شفع شفاعة ليردّ بها حقًّا أو يدفع بها ظلمًا فأُهْديَ له فقبل فذلك السّحت، قالوا: ما كنّا نرى السحت إلّا الأخذ على الحكم، قال: الأخذ على الحكم كفر.
وقال الشّعْبي: كان مسروق إذا قيل له أبطأتَ عن عليّ، وعن مشاهده، ولم يكن شهد معه شيئًا من مشاهده، فأراد أن يناصّهم الحديث قال: أذكّركم بالله، أرأيتم لو أنـّه حين صفّ بعضكم لبعض، وأخذ بعضكم على بعض السلاح َيقْتل بعضكم بعضًا فُتح باب من السماء وأنتم تنظرون، ثم نزل منه ملاك حتى إذا كان بين الصّفّين قال: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، أكان ذلك حاجزًا بعضَكم عن بعض؟ قالوا: نعم، قال: فوالله لقد فتح الله لها بابًا من السماء، ولقد نزل بها مَلَكٌ كريم على لسان نبيّكم صَلَّى الله عليه وسلم وإنّها لمحكمة في المصاحف ما نسخها شيء.
وروى مسروق عن أبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ، وابن مسعود، وعائشة، وأمها أم رومان، وجماعة، وخبّاب بن الأرَتّ، وأُبَيّ بن كعب، وعبد الله بن عمرو، وعُبيد بن عُمير، ولم يرو عن عثمان شيئًا، وروى عنه ابنُ أخيه محمد بن المنتشر بن الأجدع، وأبو الضُّحى، والشعبي، والنخعيّ، والسبيعيّ، وعبد الرّحمن بن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن مرة، وآخرون.
وقال القاسم: كان مسروق لا يأخذ على القضاء رزقًا، وروى الشعبيّ أنّ مسروقًا قال: لأن أقضي بقضيّة فأوافق الحقّ أو أصيب الحقّ أحبّ إليَّ من رباطِ سنةٍ في سبيل الله، وكان مسروق أعلم بالفتوى من شُريح، وكان شُريح أعلم بالقضاء، وكان شُريح يستشير مسروقًا، وقال شقيق: كان مسروق على السلسلة سنتين، فكان يصلّي ركعتين ركعتين يبتغي بذلك السنّة، وقلتُ لمسروق: ما حملك على هذا العمل؟ قال: لم يَدَعْني ثلاثة: زياد، وشُريح، والشيطان، حتى أوقعوني فيه.
وقال أبُو نُعَيْمٍ: مات سنة اثنتين وستين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وهو قول الجمهور، وقال ابن حجر العسقلاني: "ولعلها سبعين لما تقدم من قَوْل ابن المديني إنه صلّى خَلْفَ أبي بكر ــ رضي الله تعالى عنه"، وروى أبو وائل أنّ مسروقًا حين حضره الموت قال: اللهمّ لا أموت على أمرٍ لم يسنه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر، والله ما تركتُ صفراء، ولا بيضاء عند أحدٍ من الناس غير ما في سيفي هذا فكفّنوني به، وعن الشّعْبيّ قال: حضرتْ مسروقًا الوفاة فلم يترك ثمن كَفَن فقال: استقرضوا ثمن كفني، ولا تستقرضوه من زرّاع ولا متقبّل، ولكن انْظروا صاحب ماشية أو رجلًا يبيع ماشية فاستقرضوه منه، وقال أبو شهاب: حدّثني ملاّحة لي، قال أحمد: نَبَطِيّة مُشْرِكة كانت تحمل له الملح، قالت: كنّا إذا قحط المطرُ نأتي قبر مسروق ــ وكان منزلها بالسلسلة ــ فنستسقي فنُسْقى، قالت فننضح قبره بخمر، فأتانا في النوم فقال: إن كنتم لا بدّ فاعلين فبنضوح، ومات بالسلسلة بواسط، وقال سفيان بن عُيينة: بقي مسروق بعد علقمة لا يفضَّل عليه أحد.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال