تسجيل الدخول


محلم بن جثامة الليثي

مُحَلِّم بن جَثَّامة ــ واسمه يزيد ــ بن قيس الكناني الليثي، أَخو الصعب بن جَثَّامة:
روى محمد بن عمر عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبيِ حَدْرَد الأَسْلَمِىّ، عن أبيه، قال: لما وَجَّهنا رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم مع أَبِيِ قَتَادَةَ الأنْصارى إلى بَطْن إِضَم، فبينا نحن ببطن إضَم مَرَّ بِنَا عامر بن الأَضْبَطِ الأشْجَعِيّ، فَسَلَّم علينا بِتَحيَّةِ الإسلام فأمسكنا عنه، وَحَمَل عليه مُحَلِّم بن جَثَّامَةَ وكان معنا فقتلهُ وسَلَبَهُ بعيره ومتاعًا وَوَطْبًا من لبن، فلما لحقنا النبيَّ صَلَّى الله عليه وسلم نزل فينا القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} [سورة النساء: 94] إلى آخر الآية(*).
قال محمد بن عمر: وحدثني غَيْرُ عبد الله بن يَزِيد، قال: فلما كان رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم بِحُنَيْنٍ صلّى يومًا الظهر ثم تَنَحَّى إلى شجرةٍ فجلس إليها، فقام إليه عُيَيْنَة بن بَدْر وهو يومئذٍ سيد قَيْس يطلب بدمِ عامر بن الأَضْبط الأَشْجَعِي، فقام الأَقْرع بن حَابِس يَدْفَع عن مُحَلِّم بن جَثَّامَهَ لمكان خِنْدِف فاختصما بين يدي النبي صَلَّى الله عليه وسلم، وعُيَيْنَةُ يقول: يا رسول الله، لا واللهِ لا أدعهُ حتى أدخل على نسائِه من الحرب والحزن ما أدخل على نسائي. فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "تأخذ الدِّيَة؟" فَأَبَي عُيَيْنَةُ حتى ارتفعت الأصوات وكثر اللَّغَط، إلى أن قام رجلٌ من بني لَيْث يقال له مُكَيْتِل، قصيرٌ، مُجتمِعٌ، عليه شِكَّةٌ كاملة، ودَرَقَةٌ في يده فقال: يا رسول الله إِنِّي لم أجد لمِا فعل هذا شبهًا في غُرَّةِ الإسلام إلاّ غَنَمًا وَرَدَتْ فَرُمِيَ أولها فنفر آخرها، فاسننُ اليوم وَغَيِّرْ غَدًا. فرفع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، يده وقال: "تقبلون الدِّيَةَ خمسين في فَوْرنا هذا وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة!" فلم يزل رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، بالقوم حتى قبلوها. ومُحَلِّم بن جَثَّامة القاتل في طَرَفِ الناس فَلم يزالوا يَؤُزُّونَه ويقولون: ائتِ رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم، يَسْتَغْفِر لك. فقام مُحَلِّم رجلٌ طويلٌ آدمٌ مُحَمَّرٌ بالحِنّاء، عليه حُلَّةٌ قد كان تَهَيَّأَ فيها للقتلِ للقصاص، حتى جلس بين يدي رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وعيناهُ تدمعان، فقال: يا رسول الله، قد كان من الأمر الذي بلغك، وإني أتوبُ إلى الله فاسْتَغْفِرْ لي. فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "ما اسمك؟" قال: أنا مُحَلِّم بن جَثَّامَة. قال: "قتلتَهُ بسلاحك غُرَّة الإسلام! اللّهم لا تغفر لِمُحَلِّم!" بصوتٍ عالٍ أنفذ به الناس. قال فعاد فقال يا رسول الله، قد كان الذي بلغك، فإني أتوب إلى الله فاستغفْر لي، قال: فعاد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، بصوتٍ عالٍ ينفُذُ به الناس: "اللهم لاَ تَغْفِرْ لمُحَلِّم!" حتى كانت الثالثةُ. قال: فعاد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، لمقالته، ثم قال له رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم:"قُم!"فقام من بين يَدَي رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وهو يتلقى دموعَه بِفَضْل ردائِه، فكان ضُمَيْرة السُّلَميّ يُحدّث وكان قد حضر ذلك اليوم، قال: كنَّا نتحدّث فيما بيننا أَنّ رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم، حَرّك شَفَتَيْه بالاستغفار له، ولكنه أراد أن يُعلِم الناسَ قدْرَ الدَّمِ عِنْدَ اللهِ(*).
روى عبد الرحمن بن الحارث، عن الحسن البَصْرِيّ، قال: لمّا مات مُحَلِّم بن جَثَّامَة دفنه قَوْمُه فَلَفَظَتْه الأرضُ، ثم دفنوه فَلَفَظَتهُ الأرضُ فطرحوه بين صَوْحَيْن فأكلته السِّباع. قال الحسن: أمّا أنّها تقبلُ مَنْ هو شرٌّ مِنهُ ولكن الله أحبَّ أن يريكم. قال محمد بن عمر: صَوْحَين: حجارتين. وكان قد نزل بِأَخَرَةٍ حِمْص ومات بها، وكان قد بقي إلى أيام عبد الله بن الزبير.
وفي حديث آخر لابن إسحاق عن نافع، عن ابن عمر ذكره الطّبري، أن محلّم بن جثامة مات في حياة النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم فدفنوه، فلفظتْهُ ُالأرض مرة بعد أُخرى، فأمر به فألقي بين جبلين، وجُعلت عليه حجارة. وقال مثل ذلك أيضًا قتادة‏.‏ ورُوي أنه مات بعد سبعة أيام فدفنوه فلفظتْه الأرض فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم‏: ‏‏"‏إِنَّ الأَرْضَ لتَقْبَلُ أو تُجنُّ مَنْ هُو شَرٌّ مِنْهُ؛ ولَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُرِيَكُمْ آيَةً فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ‏".(*) أخرجه ابن ماجه في السنن 2/1297، كتاب الفتن (36) باب الكف عمن قال لا إله إلا الله (1) حديث رقم 3930، وذكره الهندي في كنز العمال حديث رقم 147.‏‏‏ وقيل: إن هذا ليس محلّم بن جثامة؛ فإن محلّم بن جثّامة نزل حمص بأخرة، ومات بها في إمارة ابن الزَّبير، والاختلاف في المراد بهذه الآية كثير مضطرب فيه جِدًا؛ قيل:‏ نزلت في المقداد. وقيل:‏ نزلتْ في أُسامة بن زيد، وقيل في محلّم بن جثامة. وقال ابن عبّاس‏: ‏ نزلت في سرية ولم يُسَمِّ أحدًا. وقيل: نزلت في غالب الليّثي. وقيل:‏ نزلتْ في رجل من بني ليث يقال له فليت كان على السّرية. وقيل: نزلت في أبي الدرّداء، وهذا اضطرابٌ شديدٌ جدًّا، ومعلومٌ أنّ قتله كان خطأ لا عمدًا، لأن قاتله لم يصدقه في قوله.
ورَوى لُقمان بن عامر، عن سُوَيد بن جَبَلَةَ، أنه قال: لمّا حضر مُحَلِّم بن جَثَّامَة الموتُ أتاه عَوْف بن مالك الأَشْجَعِيِّ فقال: يا مُحَلِّم، إِن استطعتَ أن ترجع إلينا فتُخبرنا بما رأيتم ولقيتم. قال: فأتاه في منامه بعد ذلك بعامٍ أو ما شاء الله، فقال: كيف أنتم يامُحَلِّم؟ قال: نحن بِخَيْرٍ وجدنا رَبًّا رحيما غفر لنا. قال عوف أَكلّكم؟ قال: كلّنا غير الأَحْراض. قال: ومَن الأَحْراض؟ قال: الذين يُشار إليهم بالأَصابع. واللهِ، ما من شىءٍ استَنْفَقَهُ الله لِي إلاَّ وقد وُفِّيت أجره، حتى إنَّ قِطَّةً لأهليِ هلكت فلقد أعطيتُ أجرها. قال عوفٌ: فقلتُ واللهِ إنَّ تصديق رؤياي أَن أنطلق إلى أهل مُحَلِّم فَأَسْأَلهم عن هذه القِطَّة. فأتاهم فقال: عوفٌ يستأذن! فقالوا: ائذنوا لِعَوْفٍ، فلما دخل قالوا: والله، ما كنتَ لنا بِزَوَّارٍ! قال: كيف أنتم؟ قالوا: بخير، وهذه ابنةُ أخيك أمست وليس بها بأسٌ، وهي هذه! لمِا بها، ولقد طَرقنا أبوها الليلة. قال: قلت: هل هلكت لكم قِطَّةُ؟ قالوا: نعم. قال: فهل أحسستمُوها يا عوف؟ قال: قد أُنبِئتُ نَبَأَها فاحْتَسِبُوها.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال