تسجيل الدخول


أبو ذؤيب الهذلي

خالد بن خويلد، وقيل: خُوَيلد بن خالد بن محرّث بن رُبَيْد بن مخزوم بن صاهلة.
أَخرجه أَبو عمر، وأبو موسى. يُكنى أبا ذُؤيب الهُذَلي، ويجتمع مع ابن مسعود في مخزوم. كان فصيحًا كثير الغريب متمكنًا في الشعر، وعاش في الجاهلية دهرًا، وأدرك الإسلام فأسلم، ولكنه لم يَرَ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ولا خِلَاف أنه جاهلي إسلاميّ.
روى الهرماس بن صعصعة الهذلي، عن أبيه أن أبا ذؤُيب الشّاعر حدّثه قال:‏ بلغنا أنّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم عليل، فاستشعرت حُزْنًا وبِتّ بأَطْوَلِ ليلة لا يَنْجَابُ دَيْجُورها، ولا يطلع نورها، فظللت أقاسي طولها حتى إذا كان قُرْب السِّحر أغفْيَت، فهتف بي هاتف، وهو يقول‏: [الكامل]

خَطْبٌ أَجَلُّ أَنَاخَ بِالإِسْلَامِ بَيْنَ النَّخِيلِ وَمَعْقدِ الآطَامِ

قُبِضَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ فَعُيُونُنَا تَذْرِي الدُّمُوعَ عَلَيهِ بِالتَّسْجَامِ

قال أبو ذؤيب‏:‏ فوثبْتُ مِنْ نومي فزعًا، فنظرت إلى السّماء، فلم أرَ إلا سَعْد الذّابح، فتفاءلت به ذَبْحًا يَقعُ في العرب،‏ وعلمْتُ أنّ النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم قد قُبِض، وهو ميِّتٌ من عِلّته، فركبْتُ ناقتي وسرت‏.‏ فلما أصبحت طلبت شيئًا أَزْجُرُ به، فعنَّ شَيْهَم ـــ يعني القنفذ، وقد قبض على صِلّ ــ يعني الحيّة ــ فهي تلتوي عليه والشَّيْهَم يقضمها حتى أكلها، فزجرت ذلك، فقلت: الشيهم شيء مهم، والتواء الصلّ التواء النّاس عن الحقّ على القائم بَعْدَ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ثم أَوَّلْتُ أكْلَ الشّيهم إياها غلبة القائم بعده على الأمر، فحثثتُ ناقتي، حتى إذا كنتُ بالغاية فزجرت الطّائر، فأخبرني بوفاته، ونعب غرابٌ سانح فنطق بمثْلِ ذلك فتعوَّذْتُ بالله مِنْ شَرِّ مَا عنَّ لي في طريقي وقدمْتُ المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحاج إذا أَهَلّوا بالإحرام.‏ فقلع:‏‏ مَهْ‏. قالوا‏:‏ قُبِض رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم، فجئت إلى المسجد فوجدتُه خاليًا، فأتيْتُ بيْت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فأصبت بابه مُرْتَجًا؛ وقيل: هو مُسَجّى، وقد خلا به أهله. فقلت‏:‏ أين النّاس فقيل‏:‏ في سقيفة بني ساعدة؛ صاروا إلى الأنصار‏. فجئت إلى السّقيفة فأصبْتُ أبا بكر، وعمر، وأبا عبيدة بن الجراح، وسالمًا، وجماعة من قريش، ورأيت الأنصار فيهم: سعد بن عبادة بن دليم، وفيهم شعراءِ؛ وهم‏ ‏ حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومَلأَ منهم، فآويت إلى قريش، وتكلمت الأنصار فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصّواب، وتكلم أبو بكر فللّه درُّه مِنْ رجلٍ لا يطيل الكلام، ويعلم مواضع فَصْلِ الخصام، واللَّهِ لقد تكلم بكلام لا يسمعه سامع إلا انقاد له ومال إليه‏.‏ ثم تكلم عمر بعده بدون كلامه، ومَدَّ يده فبايعه وبايعوه ورجع أبو بكر ورجعت معه‏.‏ قال أبو ذؤيب‏:‏ فشهدت الصّلاة على محمد صَلَّى الله عليه وسلم، وشهدت دَفْنَه صَلَّى الله عليه وسلم، ثم أنشد أبو ذؤيب يبكي النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم‏: [الكامل]

لَمَّا رَأَيْتُ
النَّاس فِي عَسَلَاتِهِمْ مَا بَيْـنَ مَلْحُودٍ لَهُ وَمُضَرّحِ

مُتَبادِرِينَ لِشَرْجعٍ بِأَكُفِّهِمْ نَصَّ الرِّقَابِ لِفَقْدِ أَبْيَضَ أَرْوَحِ

فَهُنَاكَ صِرْتُ إِلَى الهُمُومِ وَمَنْ يَبِتْ جَارَ الهُمُومِ يَبِيتُ غَيْرَ مُرَوّحِ

كُسِفَتْ لِمَصْرَعِهِ النُّجُومُ وَبَدْرُهَا وَتَزَعْزَعَتْ آطَامُ بَطْـنِ الأَبْْطَحِ

وَتَزَعْزَعَتْ
أَجْبَالُ
يَثْرِبَ
كُلُّهَا وَنَخِيلُهَا لِحُلُـولِ خَطْبٍ مُفْدَحِ

وَلَقَدْ زَجَرْتُ الطَّيْرَ
قَبْلَ
وَفَاتِهِ بِمُصَابِهِ وَزَجَرْتُ سَعْدَ الأَذْبَحِ

وَزَجَرْتُ أَنْ نَعَبَ المُشحّجُ سَانِحًا مُتَفَائِلًا
فِيهِ
بِفَأَلِ
الأَقْبَحِ

قال‏:‏ ثم انصرف أبو ذؤيب إلى باديته، فأقام بها.
قال أبو عمرو‏:‏ وسئل حسان بن ثابت: مَنْ أشعر الناس؟ فقال: حَيًّا أم رجلًا؟ قالوا: حيًّا‏.‏ قال‏:‏ هذيل أشعر النّاس حيًّا‏. قال محمد بن سلام: وأقول إن أشعر هذيل أبو ذؤيب‏.‏ وقال عمر بن شبة‏:‏ تقدّم أبو ذؤيب على جميع شعراء هذيل بقصيدته العينية التي يرثي فيها بنيه.‏ وقال الأصمعيّ:‏ أبرع بيت قالته العرب بيت أبو ذؤيب‏ [الكامل]

وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ

وهذا البيت من شعره المفضل الذي يرثي فيه بنيه، وكانوا خمسة أُصيبوا في عامٍ واحد، وفيه حكم وشواهد، وله حيث يقول‏: [الكامل]

أَمِـنَ
المَنُونِ
وَرَيْبِهَـا
تَتَوَجَّـعُ وَالدَّهْرُ لَيْسَ بمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ


قَالَتْ أُمَامَةُ: مَا لجِسْمِـكَ شَاحِبًا مُنْذُ ابْتُذِلْتَ وَمِثْلُ مَالِكَ يَنْفَعُ

أَمْ مَا لجَنْبِكَ لَا يُلَائِـمُ مَضْجَعًـا إِلَّا أَقَضَّ عَلَيكَ ذَاكَ المَضّجَـعُ


فَأَجَبْتُهَا أَنْ
مَـا بِجِسْمِـي أَنـَّهُ أَوْدَى بَنِيَّ مِنَ البِلَادِ فَوَدَّعُوا


أًوْدَى بَنِيَّ
فاعْقُبونِـي
حَسْــرَةً بَعْدَ الرُّقَادِ
وَعَبْرَةً
لَا تُقْلِـعُ


فَالعَيْنُ
بَعْدَهُـمُ كَـأَنَّ
حِدَّاقَهَـا كُحِلَتْ بِشَوْكٍ فَهْيّ عَوْرَى تَدْمَعُ


سَبَقُوا
هَوَايَ وَأَعْنَقُـوا لِهَوَاهُـمُ فَتُخرّمُوا، وَلِكُلِِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ


فَغَبَرتَ بَعْدَهُـمُ بِعَيْشٍ نَـاصِبٍ وَإِخَالُ
أَنِّي
لَاحِقٌ
مُسْتَتبَعُ


وَلَقَدْ حَرِصْتُ بِأَنْ أُدَافِعَ عَنْهُـمُ فَإِذَا المَنِيَّةُ
أَقْبَلَتْ
لَا
تُدْفَعُ


وَإِذَا المَنِيَّـةُ
أَنْشَبَتْ أْظْفَارَهَا أَلْفَيْتَ
كُلَّ
تَمِيمةٍ
لَا
تَنْفَعُ


وَتَجَلُّـدِي
لِلشَّامِتِينَ
أُرِيهُـمُ أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ
لَا أَتَضَعْضَـعُ


حَتَّى
كَأَنِّي
لِلْحَـوَادِثِ مَــرْوَةٌ بِصَفَا المشَقّرِ
كُلَّ
يَوْمٍ
تُقْرَعُ


وَالدَّهْرُ لَا يَبْقَى عَلَى حَدَثَانِـهِ جَوْنُ السَّحَابِ لَهُ جَدَائِدُ أَرْبَعُ
وروى أبو الطفيل أنّ عمرو بن الحَمِق، صاحب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، زعم أن في بعض الكتب أنَّ شرَّ الأرضين أم صَبَّار حَرَّة بني سليم، وأن ألأم القبائل محارب خصفة، وأن أشعر الناس أبو ذؤيب؛ وقال: حدث أبو الحارث عبد الله بن عبد الرحمن بن سفيان الهذلي، عن أبيه ــ أن أبا ذؤيب جاء إلى عمر في خلافته، فقال: يا أمير المؤمنين، أيُّ العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله. قال: قد فعلت، فأيُّ العمل بعده أفضل؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ذاك كان عليّ ولا أرجو جنةً ولَا أخشى نارًا، فتوجَّه مِنْ فَوْرِه غازيًا هو وابنه وابن أخيه أبو عبيد حتى أدركه الموت في بلاد الروم، والجيشُ يساقون في أرض عافة، فقال لابنه وابن أخيه: إنكما لا تتركان عليّ جميعًا فاقترعا، فصارت القرعة لأبي عبيد، فأقام عليه حتى وَارَاه.
توفي خالد بن خويلد في خلافة عثمان رضي الله عنه، بطريق مكة، فدفنه ابن الزبير. وقيل: إِنه مات بمصر منصرفًا من غزوة إِفريقية، وكان غزاها مع عبد الله بن الزبير ومدحه، فلما عاد ابن الزبير من إِفريقية عاد معه، فمات، فدفنه ابن الزبير. وقيل: إِنه مات غازيًا بأَرض الروم، ودُفِن هناك. وكان عمر بن الخاطب نَدَبَه إِلى الجهاد، فلم يزل مجاهدًا حتى مات بأَرض الروم.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال