تخريج الأحاديث
عن عبد الله ابن أَبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم، قال فكلٌّ قد حدّثني من حديث أبي قيس بن الأسْلَت بِطائفة فجمعتُ ممّا حدّثوني من ذلك قالوا: لم يكن أحد من الأوس والخزرج أَوْصَفَ للحَنِيفِيَّة ولا أَكْثَرَ مسألةً عنها عن أَبي قيس بن الأَسْلَت. وكان قد سأل مَنْ بِيَثرب من اليهود عن الدين فدَعَوْه إلى اليهوديّة، فكاد يقاربهم ثمّ أبَى ذلك وخرج إلى الشأم إلى آل جَفْنة فتعرّضهم فوصلوه، وسأل الرّهْبانَ والأحبارَ فدعوه إلى دينهم فلم يُرِدْه وقال: لا أدخل في هذا أبدًا. فقال له راهب بالشأم: أنت تريد دين الحَنِيفِيَّة. قال أبو قيس: ذلك الذي أريد، فقال الراهب: هذا وراءك من حيث خرجت دين إبراهيم، فقال أبو قيس: أنا على دين إبراهيم وأنا أدين به حتى أموت عليه.
وَرَجع أبو قيس إلى الحجاز فأقام ثمّ خرج إلى مكّة معتمرًا فَلَقِيَ زيدَ بنَ عَمْرو بن نُفيل فقال له أبو قيس: خرجتُ إلى الشأم أسأل عن دين إبراهيم فقيل لي هو وراءك، فقال له زيد بن عمرو: قد استعرضتُ الشأم والجزيرةَ ويهودَ يَثْرِبَ فرأيتُ دِينَهم باطلًا وإنّ الدين دين إبراهيم كان لا يُشْرِكُ بالله شيئًا ويصلّي إلى هذا البيت ولا يأكل ما ذُبحَ لغير الله. فكان أبو قيس يقول: ليس على دين إبراهيم إلاّ أنا وزَيد بن عَمْرو بن نُفيل.
فلمّا قدم رسول الله، صَلَّى الله عليه وسلم، المدينةَ وقد أَسْلَمَت الخزرج وطوائف من الأوس: بنو عبد الاشْهل كلّها، وظَفَر، وحارثة، ومعاوية وعمرو بن عوف إلاّ ما كان من أوس الله، وهم: وائل وبنو خطمة وواقف وأميّة بن زيد مع أبي قيس ابن الأسْلت. وكان رأسها وشاعرها وخطيبها، وكان يقودهم في الحرب، وكان قد كاد أن يُسْلِمَ وذَكَرَ الحَنِيفِيَّةَ في شعره، وكان يذكر صفة النبيّ، صَلَّى الله عليه وسلم، وما تُخْبرُه به يهودُ، وإنّ مولدَه بمكّة ومهاجَره يثرب. فقال بعد أن بُعِثَ النبيّ، صَلَّى الله عليه وسلم: هذا النبيّ الذي بقي وهذه دار هِجْرَته. فلمّا كانت وقعة بُعَاث شهدها. وكان بين قدوم رسول الله، صَلَّى الله عليه وسلم، ووقعة بُعاث خمس سنين، وكان يُعرَفُ بيثرب يقال له الحنيف، فقال شعرًا يذكر الدِّينَ:
وَلَـــوْ شا رَبُّـــــــنا كُــــــنّا يَهُـــــــودًا وما دينُ اليَهودِ بذي شُكولِ
وَلَوْ شا رَبُّـــــنا كُـــــنّا نصَـــــــارَى مَعَ الرّهْبــانِ في جَبَلِ الجَليـلِ
وَلكــــــِنّا خُلِقْـــــــنَا إذْ خُلِـقْـــــــنا حَنيفًا دينُـنا عَــنْ كُــلّ جيــلِ
نسُوق الهَدْيَ ترْسُفُ مُذعناتٍ تُكَشِّفُ عنَ مناكبها الجُلـــولِ
فلمّا قدم رسول الله، صَلَّى الله عليه وسلم، المدينة قيل له: يا أبا قيس هذا صاحبك الذي كنتَ تصف. قال: أجَلْ، قد بُعِثَ بالحقّ. وجاء إلى النبيّ، صَلَّى الله عليه وسلم، فقال له: إِلاَمَ تدعو؟ فقال رسول الله، صَلَّى الله عليه وسلم: "إلى شهادة أن لا إلاّ الله وأني رسول الله". وذكر شرائع الإسلام فقال أبو قيس: ما أحْسَنَ هذا وأجْمَلَه، أنْظُرُ في أمري ثمّ أعود إليك. وكاد يُسْلِمُ فلقيه عبد الله بن أُبَيّ فقال: مِنْ أين؟ فقال: مِنْ عند محمد، عرض عليّ كلامًا ما أحسنه وهو الذي كنّا نعرف والذي كانت أحبار يهود تُخْبرُنا به. فقال له عبد الله بن أُبَيّ: كَرِهْتَ والله حربَ الخزرج. قال فغضب أبو قيس وقال: والله لا أُسْلِمُ سنةً: ثمّ انصرف إلى منزله فلم يَعُدْ إلى رسول الله، صَلَّى الله عليه وسلم، حتى مات قبل الحول وذلك في ذي الحجّة على رأس عشرة أشهر من الهجرة.
هذا الحديث لم نجد له تخريجا في الكتب التسعة