تسجيل الدخول


سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن...

سعيد بن المُسَيَّب بن حَزْن:
قال محمد بن عمر: الذي رأيتُ عليه الناس في مولد سعيد بن المسيّب أنّه وُلد لسنتين خلتا من خلافة عمر، ويُرْوَى أنّه سمع من عمر، ولم أرَ أهل العلم يصحّحون ذلك وإن كانوا قد رووه، وروى يحيَى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال: وُلدتُ لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطّاب، وكانت خلافته عشر سنين وأربعة أشهر.
أمّه أمّ سعيد بنت حكيم بن أميّة السُّلَمي، وقال عليّ بن زيد: حدّثني سعيد بن المسيَّب بن حَزْن أنّ جدّه حَزْنًا أتَى النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، فقال: "ما اسمك؟" قال: أنا حَزْن. قال: "بل أنت سهل". قال: يا رسول الله اسم سمّاني به أبواي فعُرفت به في الناس. قال: فسكت عنه النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم. قال: فقال سعيد بن المسيّب: ما زلنا نَعْرِفُ الحُزونَة فينا أهلَ البيت(*).
وَلَدَ سعيدُ بن المسيّب: محمدًا، وسعيدًا، وإلياسَ، وأمّ عثمان، وأمَّ عمرو، وفاختة؛ وأمّهم أمّ حبيب بنت أبي كريم بن عامر، ومريمَ؛ وأمّها أمّ ولد، وروى يسار بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيّب أنّه زوّج ابنة له على درهمين من ابن أخيه، وقال عمران بن عبد الله الخُزاعي: زوَّج سعيد بن المسيّب بنتًا له من شاب من قريش، فلمّا أمست قال لها: شُدّي عليك ثيابك واتبعيني. قال: فشدّت عليها ثيابها، ثم قال لها: صلّي ركعتين، فصلّت ركعتين، وصلّى هو ركعتين، ثمّ أرسل إلى زوجها فوضع يدها في يده وقال: انْطَلِقْ بها. فذهب بها إلى منزله فلمّا رأتها أمّه قالت: من هذه؟ قال: امرأتي ابنة سعيد بن المسيّب دفعها إليّ، قالت: فإنّ وجهي من وجهك حرام إن أفضيتَ إليها حتى أصنع بها صَالِحَ ما يُصْنعُ بنساء قريش. قال: فدفعها إلى أمّه فأصلحت إليها، ثمّ بنى بها، وقال عمران بن عبد الله: قال سعيد بن المسيّب: ما أظلّني بيت بالمدينة بعد منزلي إلّا أني آتي ابنةً لي فأسلّم عليها أحيانًا.
قال عليّ بن زيد: كان سعيد بن المسيّب يلبسُ مُلاءً شرقيّة، وقال عمران: ما أحْصي ما رأيت على سعيد بن المسيّب من عدّة قمص الهَرَوي، وقال عُبيد بن نَـسْطاس: رأيتُ سعيد بن المسيّب يَعتمّ بعمامة سوداء ثمّ يرسلها خلفه، ورأيتُ عليه إزارًا وطيلسانًا وخفّين، وروى محمد بن هلال أنّه رأى سعيد بن المسيّب يعتمّ وعليه قلنسوة لطيفة بعمامة بيضاء لها علم أحمر يُرْخيها وراءه شِبْرًا، وقال عُثيم: رأيتُ سعيد بن المسيّب يلبس في الفطر والأضحى عمامة سوداء، وقال عبد الله بن يزيد الهُذَلي: رأيتُ سعيد بن المسيّب ربّما حلّ إزاره في الصلاة وربّما ربطها، وقال خالد بن إلياس: رأيتُ على سعيد بن المسيّب قميصًا إلى نصف ساقيه وكُميّه طالعةً أطراف أصابعه، ورداء فوق القميصين خمس أذرع وشِبْرًا، وقال محمد بن هلال: لم أرَ سعيد بن المسيّب لبس ثوبًا غير البياض، وقال عُثيم بن نَسْطاس: رأيتُ سعيد بن المسيّب شهد العتمة في سراويل ورداء، وقال أبو معشر: رأيتُ على سعيد بن المسيّب الخزّ، وروى محمد بن هلال أنهّ رأى سعيد بن المسيّب ليس بين عينيه أثر السجود، قال: ورأيتُ سعيد بن المسيّب لا يُحْفي شاربه جدًّا يأخذ منه أخذًا حسنًا، وقال محمد بن عمرو: كان سعيد بن المسيّب لا يخضب، وقال محمد بن هلال: رأيتُ سعيد بن المسيّب يصفّر لحيته، وروى أبو الغُصْن أنّه رأى سعيد بن المسيّب أبيض الرأس واللحية.
روى حُميد بن يعقوب أنه سمع سعيد بن المسيّب قال: سمعتُ من عمر كلمة ما بقي أحد حَيٌّ سمعها غيري؛ كان عمر حين رأى الكعبة قال: اللهمّ أنت السلام ومنك السلام، وقال سعيد بن المسيّب: سمعتُ عمر على المنبر وهو يقول: لا أجد أحدًا جامَعَ فلم يغتسل أنزل أو لم يُنْزِلْ إلّا عاقَبْتُه، وقال بُكير بن الأشجّ: سُئل سعيد بن المسيّب هل أدركت عمر بن الخطّاب؟ فقال: لا، وروى مالك أنّه بلغه أنّ سعيد بن المسيّب قال: إن كنتُ لأسير الليالي والأيّام في طلب الحديث الواحد، وروى مِسْعَر، عن سعد بن إبراهيم، عن سعيد بن المسيّب قال: ما بقي أحد أعلم بكلّ قضاء قضاه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر وعمر مني، قال مِسْعَر: وأحسبُه قال: وعثمان ومعاوية، وقال الزّهْريّ لمّا سأله سائل عمّن أخذ سعيد بن المسيّب علمه؟ فقال: عن زيد بن ثابت، وجالس سعد بن أبي وقّاص، وابن عبّاس، وابن عمر، ودخل على أزواج النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم؛ عائشة وأمّ سلَمة، وكان قد سمع من عثمان بن عفّان، وعليّ، وصُهيب، ومحمد بن مَسْلَمة، وجُلّ روايته المُسْنَدة عن أبي هريرة؛ وكان سعيد زوجَ ابنته، وسمع من أصحاب عُمر وعثمان، قال: وأُخبِرت عن يحيَى بن سعيد قال: كان يقال: ابن المسيّب راوية عمر؛ قال ليث: لأنّه كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته، وقال قُدامة بن موسى الجمَحي: كان سعيد بن المسيّب يُفتي وأصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، أحياء، وقال محمد بن يحيَى بن حَبّان: كان رأس مَنْ بالمدينة في دهره المقدّم عليهم في الفتوى سعيد بن المسيّب، ويقال: فقيه الفقهاء، وقال مكحول: سعيد بن المسيّب عالم العلماء، وقال: لما مات سعيد بن المسيّب استوى الناسُ، ماكان أحدٌ يأنفُ أن يأتي إلى حَلْقَة سعيد بن المسيّب، ولقد رأيتُ فيها مجاهدًا وهو يقول: لا يزال النّاس بخير ما بقي بين أظهرهم، وقال مالك بن أنس: كان عمر بن عبد العزيز يقول: ما كان بالمدينة عالم إلاّ يأتيني بعلمه وأُوتَى بما عند سعيد بن المسيّب، وكان عمر بن عبد العزيز لا يقضي بقضاءٍ حتى يسأل سعيدَ بن المسيّب، فأرسل إليه إنسانًا يسأله فدعاه، فجاء حتى دخل، فقال عمر: أخْطأ الرسولُ! إنّما أرسلناه يسألك في مَجْلِسك، وقال الزّهريّ: كنتُ أجالس عبدَ الله بن ثعلبة بن صُعير العُذْريّ أتعلّم منه نسبَ قومي، فأتاه رجلٌ جاهلٌ يسأله عن المطلَّقة واحدةً ثِنْتَْينِ، ثمّ تَزَوّجها رجلٌ ودخل بها ثمّ طلّقها، على كَمْ ترجعُ إلى زوجها الأوّلِ؟ قال: لا أدْري، اذْهَبْ إلى ذلك الرجل؛ وأشار له إلى سعيد بن المسيّب، قال: فقلتُ في نفسي: هذا أقدمُ من سعيدٍ بدهر؛ أخبرني أنّه عَقَلَ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، مَسَح على وجهه، فقمتُ فاتبعتُ السائِلَ حتّى سأل سعيدَ بن المسيّب فلزمتُ سعيدًا، فكان هو الغالب على علْم المدينة والمستفتى هو، وأبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، وسُليمان بن يسار، وكان من العلماء، وعُرْوَةُ بن الزّبير بَحْرٌ من البحور وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، فمثل ذلك أبو سلمة بن عبد الرّحمن، وخَارِجة بن زيد بن ثابت، والقاسم، وسالم، فصارت الفتوى إلى هؤلاء وصارت من هؤلاء إلى: سعيد بن المسيّب، وأبي بكر بن عبد الرّحمن، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمّد؛ عَلَى كَفٍّ من القاسم عن الفتوى إلاّ أن لا يَجِدَ بُدًّا، وكان رجال من أشباههم وأسَنّ منهم من أبناءِ الصحابة وغيرهم ممّن أدركتُ ومن المُهاجَرين والأنصار كثيرٌ بالمدينة يُسألون ولا ينصِبون أنفسهم هيئةَ مَا صنعَ هؤلاءِ، وكان لِسعيد بن المسيّب عند النّاس قدر كبيرٌ عظيم الخصالٍ: وَرَعٍ يَابِسٍ ونَزاهةٍ وكلامٍ بحَقٍّ عند السلطان وغيرهم ومجانبةِ السلطان وعِلْمٍ لا يشاكله علمُ أحَدٍ ورأيٍ بعدُ صَلِيبٍ ونعم العَوْنُ الرّأيُ الجَيّدُ، وكان ذلك عند سعيد بن المسيّب رحمه الله مِن رَجلٍ فيه عِزّةٌ لا تكَاد تراجعُ إلاّ إلى مَحَكٍّ، ما استطعتُ أن أواجهه بِمَسْألةٍ حتّى أقول: قال فلان كذا وكذا، وقال فلانُ كذا وكذا، فيجيب حينئذٍ، وقال الزّهريّ: كنتُ أجالِس ثَعْلبةَ بن أبي مالك قال: فقال لي يومًا تريد هذا؟ قال: قلت نعم: قال: عليك بسعيد بن المسيّب: قال: فجالستُه عشرَ سنين كَيَوْمٍ واحد، وقال سليمان بن عبد الرّحمن بن خَبّاب: أدركتُ رجالًا من المهاجرين، ورجالًا من الأنصار من التابعين يُفتون بالبلد؛ فأمّا المهاجرون: فسعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، وأبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، وأبان بن عثمان بن عفّان، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وأبو سلمة بن عبد الرّحمن، وعُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزّبير، والقاسم، وسالم، ومن الأنصار: خارجة بن زيد بن ثابت، ومحمود بن لبيد، وعمر بن خَلْدة الزُّرَقيّ، وأبو بكر بن محمّد بن عمرو بن حَزْم، وأبو أُمامة بن سهل بن حُنيف، وقال ابن جريج: كان الّذين يُفتون بالمدينة بعد الصحابة: السائِبُ بن يزيد، والمِسْوَر بن مَخْرمة، وعبد الرّحمن بن حاطب، وعبد الله بن عامر بن ربيعة وكانا جميعًا في حَجْر عمر بن الخطّاب وأبَوَاهُما بَدْرِيّانِ، وعبد الرّحمن بن كعب بن مالك، وروى شهاب بن عبّاد أنّ أباه حدّثه قال: أتينا المدينة فسألنا عن أفضل أهلها فقالوا: سعيد بن المسيّب! فأتيناه فقلنا: إنّا سألنا عن أفضل أهل المدينة فقيل لنا: سعيد بن المسيّب. فقال: أنا أُخبركم عمّن هو أفضل مني مائةَ ضِعفٍ: عُمر، وابن عمر، وقال ميمون بن مِهْران: قدمتُ المدينةَ فسألتُ عن أفقه أهلها فدُفعتُ إلى سعيد بن المسيّب فقلتُ له: إنّي مقتبس ولستُ بمتعنّت! فجعلتُ أسأله وجعل يُجيبني رجلٌ عنده، فقلتُ له: كُفّ عني فإنّي أريد أن أحفظ عن هذا الشيخ، فقال: انظروا إلى هذا الّذي يريد أن لا يحفظ عنى، وقد جالستُ أبا هُريرة، فلمّا قُمنا إلى الصلاة قمتُ بينه وبين سعيد، فكان من الإمام شيءٌ، فلمّا انصرفنا قلتُ له: هل أنْكَرْتَ من صلاة الإمام شيئًا؟ قال: لا! قلتُ: كَمْ من إنسانٍ جالَسَ أبا هُريرة وقلبه في مكانٍ آخر! قال: أرَأيْتَكَ ما أجبتُك فيه هل خالفني سعيدُ بن المسيّب؟ قلتُ: لا إلا في فاطمة بنت قيس؛ قال سعيد: تلك امرأةٌ فَتَنَتِ النّاسَ، أو قال: فَتَنَتِ النساء، وقال مالك بن أنس: سُئِلَ القاسم بن محمّد عن مسألةٍ فقيل له: إنّ سعيد بن المسيّب قال فيها كذا وكذا، قال معن في حديثه: فقال القاسم: ذلك خيرُنا وسيّدُنا! وقال محمّد بن عمر في حديثه: ذلك سيّدُنا وعالمُنا، وقال هشام بن زياد أبو المِقدام: رأيتُ سعيد بن المسيّب يصلّي في نعليه، وقال يحيَى بن سعيد: كان عبد الله بن عمر إذا سُئل عن الشيء يُشْكِلُ عليه قال: سلوا سعيد بن المسيّب فإنّه قد جالس الصالحين، وقال يحيَى: أدركتُ الناس يهابون الكتب ولو كنّا نكتب يومئذٍ لكتبنا من علم سعيد ورأيه شيئًا كثيرًا، وكان سعيد بن المسيّب إذا مرّ بالمكتب قال: للصبيان هؤلاء الناس بعدنا، وقال عبد الرحمن بن حرملة: دخلتُ على سعيد بن المسيّب وهو شديد المرض وهو يصلّي الظهر وهو مستلقٍ يومئ آئمًا فسمعتُه يقرأ بالشّمْسِ وَضُحاها، وقال سعيد: المريض إذا لم يستطع الجلوس أومأ آئمًا ولم يرفع إلى رأسه شيئًا، وقال يحيَى بن سعيد: كان سعيد بن المسيّب يُكْثِر أن يقول: اللهمّ سلّمْ سلّمْ، وقال عمران بن عبد الله: قال سعيد بن المسيّب: ما خفتُ على نفسي شيئا مخافة النساء، قال: فقالوا: يا أبا محمد إنّ مثلك لا يريد النساء ولا تريده النساء، قال: هو ما أقول لكم. قال: وكان شيخًا كبيرًا أعمش، وروى عبد الله بن يزيد الهُذَلي عن سعيد بن المسيّب أنّه كان يصوم الدهر ويفطر أيّام التشريق بالمدينة، وروى طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيّب عن أبيه عن سعيد بن المسيّب قال: قلّة العيال أحد اليسارَين، وقال عليّ بن زيد: قال لي سعيد بن المسيّب: قل لقائدك يقوم، فينظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده. قال: فانطلق فنظر فإذا رجل أسود الوجه فجاء فقال: رأيت وجه زَنْجي وجسدهُ أبيض، فقال: إنّ هذا سبّ هؤلاء الرهط: طلحة، والزبير، وعليًّا فنهيتُه فأبَى فدعوتُ عليه. قال: قلت: إن كنتَ كاذبًا فسّود الله وجهك، فخرجتْ بوجهه قرحة فاسودّ وجهه. وسُئل سعيد بن المسيّب عن قَطْع الدراهم فقال: هو من الفَسادِ في الأرضِ، وسُئل عن آية من كتاب الله فقال: لا أقول في القرآن شيئًا. قال مالك: وبلغني عن القاسم مثل ذلك، وقال ابن حَرْملة: أدرك سعيد بن المسيّب رجلًا من قريش ومعه مصباح في ليلة مطيرة فسلّم عليه وقال: كيف أمسيتَ يا أبا محمد؟ قال: أحمدُ الله. فلمّا بلغ الرجل منزله دخل وقال: نبعث معك بالمصباح، قال: لا حاجة لي بنورك، نور الله أحبّ إليّ من نورك، وقال سعيد: لا تقولُنّ مُصَيْحِف ولا مُسَيْجِد ولكن عظّموا ماعظّم الله، كلّ ما عظّم الله فهو عظيم حسن، وقال ابن حَرْمَلة: خرجتُ إلى الصبح فوجدتُ سكران فلم أزل أجُرّه حتى أدخلته منزلي. قال: فلقيتُ سعيد بن المسيّب فقلت: لو أن رجلًا وجد سكران أيدفعه إلى السلطان فيقيم عليه الحدّ؟ قال: فقال لي: إن استطعتَ أن تستره بثوبك فافْعل. قال: فرجعت إلى البيت فإذا الرجل قد أفاق فلما رآني عرفتُ فيه الحياء فقلتُ: أما تستحيي؟ لو أُخذتَ البارحة لحُددتَ فكنتَ في الناس مثل الميّت لا تجوز لك شهادة. فقال: والله لا أعود له أبدًا. قال ابن حرملة: فرأيتُه قد حسنت حاله بعدُ، وقال عمران بن عبد الله الخُزاعي: كان سعيد بن المسيّب لا يخاصم أحدًا ولو أراد إنسان رداءه. رمى به إليه، وقال عمران بن محمد بن سعيد بن المسيّب: حدّثتني غُنيمة جارية سعيد قالت: كان سعيد لايأذن لابنته في اللعب ببنات العاج، وكان يرخّص لها في الكَبَر، يعني الطبل، وقال قتادة: دعي سعيد بن المسيّب فأجاب، ثمّ دُعي فأجاب، ثمّ دُعي الثالثة فحصب الرسول، وقال سعيد بن المسيّب: ما من تجارة أحبّ إليّ من البَزّ ما لم تقع فيها الأيمان، وقال عمران بن عبد الله بن طلحة الخُزاعي: كان في رمضان يُؤتَى بالأشربة في مسجد النبيّ، عليه السلام فليس أحد يطمع أن يأتي سعيد بن المسيّب بشراب فيشربه، فإن أُتي من منزله بشراب شربه وإن لم يُؤتَ من منزله بشيء لم يشرب شيئًا حتى ينصرف، ورى الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب أنّه كان يصلّي محتبيًا فإذا أراد أن يسجد حلّ حُبْوَته فسجد ثمّ عاد فاحتبى، وقال مالك بن أنس: قال بُرْد مولى ابن المسيّب لسعيد بن المسيّب: ما رأيتَ أحسنَ ما يصنع هؤلاء! قال سعيد: وما يصنعون؟ قال: يصلّي أحدهم الظهر، ثمّ لا يزال صافًّا رجليه يصلّي حتى العصر. فقال سعيد: ويحك يا بُرْد! أما والله ما هي بالعبادة، تدري ما العبادة؟ إنّما العبادة التفكّر في أمر الله، والكفّ عن محارم الله، وقال ابن حَرْمَلة: قلتُ لبُرْد مولى ابن المسيّب: ما صلاة ابن المسيّب في بيته؟ فأمّا صلاته في المسجد، فقد عرفناها، فقال: والله ما أدري، إنّه ليصلّي صلاة كثيرة إلا أنّه يقرأ بــــ: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [سورة ص: 1]. وروى عطاء أنّ سعيد بن المسيّب كان إذا دخل المسجد يوم الجمعة لم يتكلّم كلامًا حتى يفرغ من صلاته وينصرف الإمام ثمّ يصلّي ركعات، ثمّ يقبل على جلسائه ويُسْأل، وقال يزيد بن حازم: كان سعيد بن المسيّب يسرد الصوم فكان إذا غابت الشمس أُتي بشراب له من منزله إلى المسجد فشربه، وقال عاصم بن العبّاس الأسديّ: كان سعيد بن المسيّب يذكّر ويخوّف، وقال عاصم بن العبّاس: سمعتُ ابن المسيّب يقرأ القرآن بالليل على راحلته فيُكْثر، وقال عاصم: سمعتُ سعيد بن المسيّب يجهر بـ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وكان سعيد بن المسيّب يحبّ أن يسمع الشعر ولا ينشده، ورأيتُ سعيد بن المسيّب يحتفي يمشي بالنهار حافيًا، ورأيت عليه بَتًّا، ورأيتُه لا يدع ظفره يطول، ويُحْفي شاربه شبيهًا بالحَلْق، ورأيته يصافح كلّ من لقيه، ورأيتُ سعيدًا يكره كثرة الضحك، ورأيتُ سعيدًا يتوضّأ كلّما بال وإذا توضّأ شبّك بين أصابعه، وروى داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيّب أنّه كان لا يستحبّ أن يسمّي ولده بأسماء الأنبياء، وقال عليّ بن زيد: كان سعيد بن المسيّب يصلّي التطوّع في رَحْله، وروى ابن أبي الحُوَيْرِث أنّه شهد محمد بن جُبير بن مُطْعِم يستفتي سعيد بن المسيّب، وكان أبو عليّ بن حسين يقول: سعيد بن المسيّب أعلم الناس بما تقدّمه من الآثار وأفقههم في رأيه، وقال عمران بن عبد الله الخُزاعي: سألني سعيد بن المسيّب فانتسبتُ له فقال: لقد جلس أبوك إليّ في خلافة معاوية فسألني عن كذا وكذا فقلت له كذا وكذا. قال عمران: والله ما أراه مرّ على أذنه شيء قطّ إلّا وعاه قلبه، يعني سعيد بن المسيّب، وقال محمد بن عمر: حدّثنا عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا قالوا: استعمل عبد الله بن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزّهْري على المدينة فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير فقال سعيد بن المسيّب: لا، حتى يجتمع النّاس فضربه ستّين سوطًا، فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إلى جابر يلومه ويقول: ما لنا ولسعيد، دَعْهُ، وقال عبد الواحد بن أبي عون: كان جابر بن الأسود وهو عامل ابن الزبير على المدينة قد تزوّج الخامسة قبل أن تنقضي عدّة الرابعة. فلمّا ضرب سعيد بن المسيّب صاح به سعيد والسياط تأخذه: والله مَا ربَّعْتَ على كتاب الله، يقول الله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاع} [سورة النساء: 3]، وإنّك تزوّجت الخامسة قبل انقضاء عدّة الرابعة. وما هي إلّا ليالٍ فاصنْع ما بدا لك فسوف يأتيك ما تكره. فما مكث إلّا يسيرًا حتى قُتل ابن الزبير، وقال عمر بن حبيب بن قُليع: كنتُ جالسًا عند سعيد بن المسيّب يومًا وقد ضاقت عليّ الأشياء ورهقني دَيْن، فجلست إلى ابن المسيّب ما أدري أين أذهب، فجاءه رجل فقال: يا أبا محمد إني رأيتُ رؤيا، قال: ما هي؟ رأيتُ كأني أخذتُ عبد الملك بن مروان فأضجعتُه إلى الأرض ثمّ بطحته فأوتدت في ظهره أربعة أوتاد. قال: ما أنت رأيتها، قال: بلى أنا رأيتها، قال: لا أخبرك أو تخبرني، قال: ابن الزبير رآها وهو بعثني إليك. قال: لئن صدقت رؤياه قتله عبد الملك بن مروان وخرج من صُلْب عبد الملك أربعة كلّهم يكون خليفة. قال: فدخلتُ إلى عبد الملك بن مروان بالشأم فأخبرته بذلك عن سعيد بن المسيّب فسرّه وسألني عن سعيد وعن حاله فأخبرته، وأمر لي بقضاء ديني وأصبتُ منه خيرًا، قال محمد بن عمر: وكان سعيد بن المسيّب من أعْبرِ النّاس للرؤيا وكان أخذ ذلك عن أسماء بنت أبي بكر وأخذته أسماء عن أبيها أبي بكر، وقال شَريك بن أبي نَمِر: قلتُ لابن المسيّب رأيتُ في النوم كأنّ أسناني سقطت في يدي ثمّ دفنتها. فقال ابن المسيّب: إن صدقت رؤياك دفنتَ أسنانك من أهل بيتك، وقال مسلم الخياط: قال رجل لابن المسيّب: إني أراني أبول في يدي، فقال: اتّقِ الله فإنّ تحتك ذات محرم. فنظر فإذا امرأة بينها وبينه رضاع، وجاءه آخر فقال: يا أبا محمد إني أرى كأني أبول في أصل زيتونة. قال: انْظر مَنْ تحتك، تحتك ذات محرم. فنظر فإذا امرأة لا يحلّ له نكاحها، وقال رجل لسعيد: إني رأيتُ حمامة وقعت على المنارة ــــ منارة المسجد ــــ فقال: يتزوّج الحجَّاج ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وقال مسلم الخيّاط: جاء رجل إلى ابن المسيّب فقال إني أرى أنّ تيسًا أقبل يشتدّ من الثنيّة. فقال: اذْبح اذْبح، قال: ذبحتُ، قال: مات ابن أمّ صِلاء. فما برح حتى جاءه الخبر أنّه قد مات. قال محمد بن عمر: وكان ابن أمّ صِلاء رجلًا من موالي أهل المدينة يسعى بالناس، وقال رجل من فَهْم لابن المسيّب إنّه يرى في النوم كأنّه يخوض النّار، فقال: إن صدقت رؤياك لا تموت حتى تركب البحر وتموت قتلًا. قال فركب البحر فأشفى على الهلكة، وقُتل يوم قُدَيد بالسيف، وقال الحُصين بن عبيد الله بن نوفل: طلبتُ الولد فلم يولَد لي فقلتُ لابن المسيّب إني أرى أنّه طُرح في حجري بَيْض. فقال ابن المسيّب الدجاج عجمي فاطْلب سببًا إلى العجم. قال: فتسرّيتُ فوُلد لي وكان لا يولَد لي، وقال عُثيم بن نَسطاس: سمعتُ سعيد بن المسيّب يقول للرجل إذا رأى الرؤيا وقصّها عليه يقول: خيرًا رأيتَ، وقال ابن المسيّب: التمر في النوم رزق على كلّ حال والرُّطَب في زمانه رزق، وقال: الكَبْل في النوم ثبات في الدين، وقال: آخر الرؤيا أربعون سنة، يعني في تأويلها، وقال له رجل: يا أبا محمد إني رأيتُ كأني جالس في الظلّ فقمتُ إلى الشمس. فقال: ابن المسيّب والله لئن صدقت رؤياك لتخرجنّ من الإسلام. قال: يا أبا محمد إني أراني أُخْرجت حتى أُدخلت في الشمس فَجَلَسْتُ. قال: تُكْره على الكفر. قال فخرج في زمان عبد الملك بن مروان فأُسر فأُكْره على الكفر فرجع ثمّ قدم المدينة وكان يخبر بهذا، وقال محمد بن عمر: حدّثنا عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا أنّ عبد العزيز بن مروان توفّي بمصر في جمادى سنة أربعٍ وثمانين فعقد عبد الملك لابنيه الوليد وسليمان بالعهد وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان، وعامله يومئذٍ على المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي، فدعا الناس إلى البيعة لهما، فبايع الناس، ودعا سعيد بن المسيّب أن يبايع لهما فأبَى وقال: حتى أنظر، فضربه هشام بن إسماعيل ستّين سوطًا وطاف به في تُبّان من شعر حتى بلغ به رأس الثنيّة، فلمّا كرّوا به قال: أين تكرّون بي؟ قالوا: إلى السجن، قال: والله لولا أني ظننت أنّه الصّلْبُ ما لبست هذا التّبّان أبدًا. فردّوه إلى السجن وحبسه وكتب إلى عبد الملك يخبره بخلافه وما كان من أمره، فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع به ويقول: سعيد كان والله أحوج إلى أن تصل رَحِمه من أن تضربه، وإنّا لنعلم ما عند سعيد شقاق ولا خلاف، وقال المِسْوَر بن رفاعة: دخل قَبيصة بن ذُؤيب على عبد الملك بن مروان بكتاب هشام بن عبد الملك يذكر أنّه ضرب سعيدًا وطاف به. قال قبيصة: يا أمير المؤمنين يفتات عليك هشام بمثل هذا، يضرب ابن المسيّب ويطوف به. والله لا يكون سعيد أبدًا أمحل ولا ألجّ منه حين يُضْرب، سعيد لو لم يبايع ما كان يكون منه؟ ما سعيد ممّن يُخاف فتقه ولا غوائله على الإسلام وأهله، وإنّه لَمِنْ أهل الجماعة والسنّة. وقال قَبيصة: اكْتب إليه يا أمير المؤمنين في ذلك. فقال عبد الملك: اكتب أنت إليه عنك تخبره برأيي فيه وما خالفني من ضرب هشام إيّاه فكتب قَبيصة إلى سعيد بذلك، فقال سعيد حين قرأ الكتاب: الله بيني وبين مَن ظلمني. وقال عبد الله بن يزيد الهُذَلي: دخلتُ على سعيد بن المسيّب السجن فإذا هو قد ذُبحت له شاة فجُعل الإهاب على ظهره ثمّ جعلوا له بعد ذلك قضبًا رطبًا، وكان كلّما نظر إلى عضديه قال: اللهمّ انْصرني من هشام، وروى طلحة بن محمد عن أبيه قال: دخل على سعيد بن المسيّب السجن أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فجعل يُكلّم سعيدًا ويقول له: إنّك خُرقت به. فقال: يا أبا بكر اتّقِ الله وآثِرْه على ما سواه. قال: فجعل أبو بكر يردد عليه: إنّك خرقت به ولم ترفق. فجعل سعيد يقول: إنّك والله أعمى البصر أعمى القلب. قال: فخرج أبو بكر من عنده وأرسل إليه هشامُ بن إسماعيل فقال: هل لَانَ سعيد بن المسيّب منذ ضربناه؟ فقال أبو بكر: والله ما كان أشدّ لسانًا منه منذ فعلتَ به ما فعلتَ فاكْفف عن الرجل، وجاء هشامَ بن إسماعيل كتابٌ من عبد الملك بن مروان يلومه في ضربه سعيد بن المسيّب ويقول: ما ضرّك لو تركتَ سعيدًا ووطئتَ ما قال؟ وندم هشام بن إسماعيل على ما صنع بسعيد فخلّى سبيله، وقال أسلم أبو أميّة مولى بني مخزوم وكان ثقةً: صنعت ابنة سعيد بن المسيّب طعامًا كثيًرا حين حُبس فبعثت إليه، فلمّا جاء الطعام دعاني سعيد فقال: اذْهب إلى ابنتي فقل لها لا تعودي لمثل هذا أبدًا، فهذه حاجة هشام بن إسماعيل يريد أن يذهب مالي فأحتاج إلى ما في أيديهم، وأنا لا أدري ما أُحْبَسُ، فانظري إلى القوت الذي كنت آكل في بيتي فابْعثي إليّ به، فكانت تبعث إليه بذلك، وكان يصوم الدهر، وقال عمران بن عبد الله الخُزاعي: إني أرى أنّ نفس سعيد بن المسيّب كانت أهون عليه في ذات الله من نفس ذُباب، وقال أبو المليح: حدّثني غير واحد أنّ عبد الملك بن مروان ضرب سعيد بن المسيّب خمسين سوطًا وأقامه بالحرّة وألبسه تُبّان شعر. قال: فقال سعيد: أما والله لو علمتُ أنّهم لا يزيدونني على الضرب ما لبستُ لهم التبّان، إنّما تخوّفتُ أن يقتلوني فقلت: تبّان أستر من غيره. قال محمد بن عمر: معنى هذا الحديث أنّه ضُرب في خلافة عبد الملك بن مروان، وروى سفيان عن رجل من آل عمر قال: قيل لسعيد بن المسيّب ادْعُ على بني أميّة، فقال: اللهمّ أعِزّ دينك وأظهرْ أولياءك وأخْزِ أعداءك في عافية لأمّة محمد صَلَّى الله عليه وسلم، وقال عليّ بن زيد: قلتُ لسعيد بن المسيّب: يزعم قومك أنّ ما منعك من الحج أنّك جعلت لله عليك إذا رأيتَ الكعبة أن تدعو الله على ابن مروان. قال: ما فعلتُ وما أصلّي صلاة إلّا دعوتُ الله عليهم، وإني قد حججتُ واعتمرتُ بضعًا وعشرين سنة، وإنّما كُتِبت عليّ حجّة واحدة وعمرة، وإني أرى ناسًا من قومك يستدينون فيحجّون ويعتمرون ثمّ يموتون ولا يُقْضى عنهم، ولجمعةٌ أحبّ إليّ من حجّ أو عمرة تطوّعًا. قال عليّ: فأخبرت بذلك الحسن فقال: ما قال شيئًا، لو كان كما قال ما حجّ أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ولا اعتمروا، وقال أبو يونس القَزّي: دخلتُ مسجد المدينة فإذا سعيد جالس وحده فقلت: ما شأنه؟ قال: نُهي أن يجالسه أحد، وقال عمران: كان لسعيد بن المسيّب في بيت المال بضعة وثلاثون ألفًا عطاءه، فكان يُدْعى إليها فيأبَى ويقول: لا حاجة لي فيها حتى يحكم الله بيني وبين بني مروان، وروى عليّ بن زيد أنّه قيل لسعيد بن المسيّب: ما شأن الحجّاج لا يبعث إليك ولا يحرّكك ولا يؤذيك؟ قال: والله لا أدري إلّا أنّه دخل ذات يوم مع أبيه المسجد فصلّى صلاة فجعل لا يُتِمّ ركوعها ولا سجودها فأخذتُ كفًّا من حصى فحصبته بها، زعم أنّ الحجّاج قال: ما زلتُ بعد ذلك أُحسْنُ الصلاة، وقال عمران بن عبد الله بن طلحة بن الخُزاعي: حجّ عبد الملك بن مروان فلمّا قدم المدينة فوقف على باب المسجد أرسل إلى سعيد بن المسيّب رجلًا يدعوه ولا يحرّكه. قال: فأتاه الرسول وقال: أمير المؤمنين واقفٌ بالباب يريد أن يكلّمك. فقال: ما لأمير المؤمنين إليّ حاجة وما لي إليه حاجة وإنّ حاجته إليّ لغَيرُ مقضيّة. قال: فرجع الرسول إليه فأخبره فقال: ارْجع إليه فقل إنّما أريد أن أكلّمك، ولا تحركه. قال: فرجع فقال له: أجِبْ أمير المؤمنين، فقال له سعيد ما قال له أوّلًا. قال: فقال له الرسول: لولا أنّه تقدّم إلّي فيك ما تقدم ما ذهبتُ إليه إلّا برأسك، يرسل إليك أمير المؤمنين يكلّمك تقول مثل هذه المقالة؟ فقال: إن كان يريد أن يصنع بي خيرًا فهو لك وإن كان يريد غير ذلك فلا أحُلّ حُبْوَتي حتى يقضي ما هو قاضٍ. فأتاه فأخبره فقال: رحم الله أبا محمد، أَبَى إلّا صَلابةً. قال عمرو بن عاصم في حديثه بهذا الإسناد قال: فلمّا استُخلف الوليد بن عبد الملك قدم المدينة فدخل المسجد فرأى شيخًا قد اجتمع الناس عليه فقال: من هذا؟ فقالوا: سعيد بن المسيّب. فلمّا جلس أرسل إليه فأتاه الرسول فقال: أجِبْ أمير المؤمنين. فقال: لعلّك أخطأت باسمي أو لعلّه أرسلك إلى غيري. قال: فأتاه الرسول فأخبره فغضب وهمّ به. قال: وفي الناس يومئذٍ بقيّة فأقبل عليه جلساؤه فقالوا: يا أمير المؤمنين، فقيه أهل المدينة وشيخ قريش وصديق أبيك لم يطمع ملك قبلك أن يأتيه. قال: فما زالوا به حتى أضرب عنه، وروى أبو المليح عن ميمون بن مهران قال: قدم عبد الملك بن مروان المدينة فامتنعت منه القائلة واستيقظ، فقال لحاجبه: انظر هل في المسجد أحد من حُدّاثنا من أهل المدينة؟ قال: فخرج فإذا سعيد بن المسيّب في حلقة له، فقام حيث ينظر إليه ثمّ غمزه وأشار إليه بإصبعه، ثمّ ولّى، فلم يتحرّك سعيد ولم يتبعه فقال: أراه فطن. فجاء فدنا منه ثمّ غمزه وأشار إليه وقال: ألم ترني أشيرُ إليك؟ قال: وما حاجتك؟ قال: استيقظ أمير المؤمنين فقال: انْظر في المسجد أحد من حُدّاثي، فأجبْ أمير المؤمنين. فقال: أرسلك إليّ؟ قال: لا ولكن قال: اذْهب فانْظر بعض حدّاثنا من أهل المدينة، فلم أرَ أحدًا أهْيَأ منك. فقال سعيد: اذهب فأعْلِمْه أني لستُ من حدّاثه. فخرج الحاجب وهو يقول: ما أرى هذا الشيخ إلّا مجنونًا فأتَى عبد الملك فقال له: ما وجدتُ في المسجد إلّا شيخًا أشرتُ إليه فلم يقم فقلتُ له إنّ أمير المؤمنين قال: انْظر هل ترى في المسجد أحدًا من حدّاثي، فقال إني لستُ من حدّاث أمير المؤمنين وقال لي أعْلِمْه، فقال عبد الملك: ذاك سعيد بن المسيّب فَدعْه، وقال أبو بكر بن عبد الله: كان سعيد بن المسيّب إذا سُئل عن هؤلاء القوم قال: أقول فيهم ما قوّلني ربي: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا}[الحشر: 10]، حتى يُتِمّ الآية، وقال عثمان بن حكيم: سمعتُ سعيد بن المسيّب يقول: ما سمعتُ تأذينًا في أهلي منذ ثلاثين سنة، وروى عبد الرحمن بن حَرْمَلة عن سعيد بن المسيّب قال: ما لقيتُ الناس منصرفين من صلاة منذ أربعين سنة، وقال عمران بن عبد الله عن سعيد بن المسيّب: ما فاتَتْه صلاة الجماعة منذ أربعين سنة ولا نظر في أقفائهم. قال عمران: وكان سعيد يُكْثِر الاختلاف إلى السوق، وقال ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب: قلتُ له لو تبدّيتَ، وذكرتُ له البادية وعيشها والعَتَم، فقال سعيد: كيف بشهود العتمة؟ وقال بشر بن عاصم: قلتُ لسعيد يا عمّي ألا تخرج فتأكل الثوم مع قومك؟ فقال: معاذ الله يا ابن أخي أن أدعَ خمسًا وعشرين صلاة خمسَ صلوات، وقد سمعتُ كعبًا يقول: وددتُ أنّ هذا اللبن عاد قطرانًا يتّبع، أو اتّبعت قريش ــ شكّ شهاب ــ أذناب الإبل في هذه الشعاب، إنّ الشيطان مع الشاذّ وهو من الاثنين أبعدُ، وروى ابن حَرْمَلة عن سعيد بن المسيّب أنّه اشتكى عينه فقالوا له: لو خرجتَ يا أبا محمد إلى العقيق فنظرتَ إلى الخضرة، لوجدت لذلك خِفَّة. قال: فكيف أصنع بشهود العَتمة والصبح؟
قالوا: وكان سعيد بن المسيّب جامعًا ثقةً كثير الحديث ثبتًا فقهيًا مفتيًا مأمونًا ورعًا عاليًا رفيعًا، وقال مكحول: ما حدَّثتكم به فهو عن سعيد بن المسيّب والشّعْبي.
قال الحكم بن أبي إسحاق: كنتُ جالسًا إلى سعيد بن المسيّب فقال لمولى له: اتّقِ الله لا تكذب عليّ كما كذب مولى ابن عبّاس على ابن عبّاس. فقلتُ لمولاه: ذاك أني لا أدري ابن الزبير أحبّ إلى أبي محمد أو أهل الشأم. قال: فسمعها سعيد فقال: يا عراقيّ أيّهما أحبّ إليك؟ قلت: ابن الزبير أحبّ إليّ من أهل الشأم. قال: أفلا أَضْبث بك الآن فأقول هذا زُبيريّ؟ فقلت: سألتَني فأخبرتُك، فأخْبِرْني أيّهما أحبّ إليك. قال: كُلًّا لا أحبّ، وقال أبو حازم: سمعتُ سعيد بن المسيّب يقول: لقد رأيتُني ليالي الحَرّة وما في المسجد أحد من خلق الله غيري، وإنّ أهل الشأم ليدخلون زُمَرًا زُمَرًا يقولون: انْظروا إلى هذا الشيخ المجنون، وما يأتي وقت صلاة إلّا سمعتُ أذانًا في القبر ثمّ تقدّمتُ فأقمتُ فصلّيتُ وما في المسجد أحد غيري، وروى طلحة بن محمد بن سعيد، عن أبيه قال: كان سعيد بن المسيّب أيّام الحَرّة في المسجد لم يبايع ولم يبرح، وكان يصلّي معهم الجمعة ويخرج إلى العيد، وكان الناس يقتتلون وينتبهون وهو في المسجد لا يبرح إلّا ليلًا إلى الليل. قال: فكنتُ إذا حانت الصلاة أسمع أذانًا يخرج من قِبَل القبر حتى أمن الناس وما رأيتُ خيرًا من الجماعة.
قال عليّ بن زيد قال: وُلد سعيد بن المسيّب بعد أن استُخلف عمر بأربع سنين ومات وهو ابن أربع وثمانين سنة، وروى طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيّب عن أبيه قال: وُلد سعيد قبل موت عمر بسنتين ومات ابن اثنتين وسبعين سنة، وقال عبد الرحمن بن حرملة: كنتُ مع سعيد بن المسيّب في جنازة فقال رجل: استغفروا لها، فقال: ما يقول راجزهم، قد حرّجتُ على أهلي أن يرجز معي راجزهم وأن يقولوا: مات سعيد بن المسيّب، حسبي من يَقْلِبُني إلى ربّي وأن يمشوا معي بمِجْمَر فإن أكن طيّبًا فما عند الله أطيب من طيبهم، وروى يحيَى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال: أوصيتُ أهلي إذا حضرني الموت بثلاث: ألّا يتبعني راجز ولا نار، وأن يُعْجَل بي، فإن يكن لي عند ربّي خير فهو خير ممّا عندكم، وقال أبو حازم: قال سعيد بن المسيّب في مرضه الذي مات فيه: إذا ما متّ فلا تضربوا على قبري فسطاطًا، ولا تحملوني على قطيفة حمراء، ولا تُتْبعوني بنار، ولا تُؤْذنوا بي أحدًا، حسبي من يبلّغني ربّي، ولا يتبعني راجزهم هذا، وقال عبد الرحمن بن الحارث المخزومي: اشتكى سعيد بن المسيّب فاشتد وجعه، فدخل عليه نافع بن جُبير بن مُطْعِم يعوده فأغمي عليه فقال نافع: وجّهوا فراشه إلى القبلة، ففعلوا، فأفاق فقال: من أمركم أن تحوّلوا فراشي إلى القبلة، أنافع بن جبير أمركم؟ فقال نافع: نعم، فقال له سعيد: لئن لم أكن على القبلة والملّة لا ينفعني توجيهكم فراشي، وفي رواية أخرى عن نافع قال: دخلتُ على سعيد بن المسيّب وهو مضطجع على فراشه فقلت لمحمد ابنه: حوّلْ فراشه فاستقبلْ به القبلة، فقال سعيد: لا تفعل، عليها وُلدتُ وعليها أموت وعليها أُبْعَث إن شاء الله. وروى المغيرة بن عبد الرحمن، أنّه دخل مع أبيه على سعيد بن المسيّب وقد أُغْمِيَ عليه فوُجّه إلى القبلة، فلمّا أفاق قال: من صنع هذا بي؟ ألستُ امرأً مسلمًا وجهي إلى الله حيثما كنت؟، وقال زُرْعة بن عبد الرحمن: شهدتُ سعيد بن المسيّب يوم مات يقول: يا زُرْعَة إني أُشْهدك على ابني محمد لا يُؤذِننّ بي أحدًا، حسبي أربعة يحملوني إلى ربي، ولا تتبعني صائحة تقول فيّ ما ليس فيّ، وقال يحيَى بن سعيد: لمّا حضر سعيد بن المسيّب الموت ترك دنانير فقال: اللهمّ إنّك تعلم أنّي لم أتركها إلّا لأصون بها حَسَبي وديني، وقال عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فَرْوة: شهدتُ سعيد بن المسيّب يوم مات فرأيتُ قبره قد رُشّ عليه الماء، ومات سعيد بالمدينة سنة أربع وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك وهو ابن خمسٍ وسبعين سنة؛ وكان يقال لهذه السنة التي مات فيها سعيد سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها.
الاسم :
البريد الالكتروني :
عنوان الرسالة :
نص الرسالة :
ارسال