يعلى بن شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري
وقيل شَدّاد بن عَوْف، وهو ابن أَخي حسان بن ثابت الأَنصاري الخزرجي، كنيته أبو يَعْلَى؛ ويقال: أبو عبد الرَّحمن. شهد أبوه بَدْرًا، واستشهد بأحد.
قيل: إِنه شهد بدرًا. وروي أن أبا طلحة تصدّق بماله، فدفعه رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم إلى أقاربه: أبيّ بن كعب، وحسّان بن ثابت، وشداد بن أوس بن ثابت، أو ابنه أَوس بن ثابت، ونُبَيط بن جابر.
وفُضل شَدّاد بن أوس الأنصار بخصلتين: ببيَانٍ إِذَا نطق، وبكَظْمٍ إذا غَضِبَ. قال عبادة بن الصّامت: كان شداد بن أوس ممن أوتي العلم والحلم. قال أبو الدّرداء: إن الله عزَّ وجل يُؤْتي الرّجل العلم ولا يؤتيه الحلم، ويؤتيه الحلم ولا يؤتيه العلم، وإن أبا يَعلى شداد بن أوس ممن آتاه الله العلم والحلم.
كانت له عبادة واجتهاد في العمل ورَوَى عن كعب الأحبار. قال أسد بن ودَاعَة: كان شدادُ بنُ أوس إذا أَوَى إلى فراشه كَانَ كأنّه حبَّة على مِقْلَى فيقول: اللهمّ إن النار قد أسهرتني ثم يقوم إلى الصلاة. خطب شدادَ بنَ أوس الناسَ فَحَمِدَ الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس، ألا إن الدنيا أجل حاضر يأكل منها البَرُّ والفاجر، أَلاَ وإنّ الآخرةَ أَجَلٌ مُسْتَأْخَر يقضي فيها مَلِكٌ قادر، أَلاَ وإنَّ الخير كُلَّه بحذافيره في الجنة، أَلاَ وإِنَّ الشَّرَّ بحذافيره في النار، ألا واعلموا أنه من يَعمل مثقال ذَرَّةٍ خيرًا يَرَه ومن يعملْ مثقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه. قال شداد بن أوس ــ وكانت له صُحبَة: زَوِّجُوني فإن رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم أوصاني أن لا ألقَى الله عَزبًا.
وروى عنه، قال: كنا نعدّ الرّياء على عَهْدِ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم الشّركَ الأَصْغَرَ(*)، وعنه أيضًا، قال: مررت مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في ثمان عشرة خلت من رمضان، فأَبصر رجلًا يَحْتَجِم، فقال: "أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ"، وعن عبد الرحمن بن عُثمان بن شداد بن أَوس أَن شدادًا حَدَّثه عن حديث رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أَنه قال: "لَتَحْذُوَنَّ شِرَارَ هذه الأَمَّةِ عَلَى سُنَنِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ".
وروي أنه كان عند رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم وهو يجودُ بنفسه، فقال: "مَالَك يَا شَدَّادُ؟" قال: ضَاقَتْ بي الدنيا، فقال: "لَيْسَ عَلَيْكَ، إنَّ الشَّامَ سَيُفْتَحُ، وَبَيْتُ المَقْدِس سَيُفْتَحُ، وَتَكُونُ أَنْتَ وَوَلَدُكَ مِنْ بَعْدِكَ أَئِمَّةً فِيهِمْ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى".
كان شداد بن أوس في سفر فقال لغلامه: آتينا بالسُّفرة نَعبَثُ بها، فأُنكِرَ منه، فقال: أستغفر اللهَ ما تكلمتُ بكلمة منذ صحبت رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم، وفي رواية أخرى: منذ فارقتُ رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم، حتى أخطِمَها وأزمّها قبلَ هذه فلا تحفظوها علَيّ، فقال له أصحابُه: مَن أنتَ رَحمك الله؟ قال: أنا شداد بن أوس، قالوا: ألا أخبرتنا حتى نسألك شيئا سمعتَه من رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم؟ فقال: هاتُوا صَحِيفَةً ودَوَاةً فقال: سمعتُ رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "من قال حين يُصبحُ وحين يُمسي، اللهمّ أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتَني وأنا عَبُدك وأنا على عهدِك فاغفر لِي إنه لا يَغفِر الذنوبَ إلا أنت، فإن مات من يومه أو ليلته غُفِر له أو دخل الجنة"، واحفظوا عني ما أقول لكم: سمعت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "إذا كنز الناسُ الذهبَ والفضةَ فاكنزوا هذه الكلمات: اللهمّ إني أسألك الثباتَ في الأمر، والعزيمة على الرُّشْد، وأسألك شُكْرَ نعمتك، وحسنَ عبادتك، وأسألك قلبا سليما، ولسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرّ ما تَعلَم، وأَسْتَغْفِرُك لما تَعلَم، إنك أنت عَلاَّمُ الغيوب".
قال شداد بن أوس لما حَضرتهُ الوفاةُ: يا نَعَايَا العرب، إِنَّ أَخْوَفَ ما أخافُ على هذه الأمة الرياء والشَّهْوَةُ الخَفِيَّة. تحوّل إلى فلسطين فنزلها ومات بها سنة ثمان وخمسين في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان، ويقال: مات سنة إحدى وأربعين، ويقال: سنة أربع وستين، وكان يومَ مات ابن خمس وتسعين سنة، وقيل: وهو ابن خمس وسبعين سنة، ودفن ببيت المقدس