هرم بن حيان العبدي
هرم بن حيان العبديّ:
أَخرجه أَبو عمر. ذكر أبو زيد بن خليفة أنه لقي رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم هرم بن حيان بن عبد القيس، فقال: أمن أهل الكوفة أنت؟ قال: نعم، قال: تسألني وفيكم عبد الله بن مسعود! قال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هو من صغار الصحابة. وفي الزهد لأحْمَدَ أنه كان يصحب حممة الدوسيّ، وحُمَمة مات في خلافة عثمان. قال ابْنُ حِبَّانَ: أدرك عُمر وولي الولايات في خلافته. عده ابن أبي حاتم في الزهاد الثمانية من كبار التابعين. وقال العسْكَرِيُّ: كان من خيار التابعين. وقال ابن سعد: ثقة له فضل. قال هَرِم بن حَيّان: أعوذ بالله من زمان يمرد فيه صغيرهم، ويأمل فيه كبيرهم، وتقترب فيه آجالهم، فيقال له: أوْصِنا، فيقول: أوصيكم بخواتيم سورة البقرة. قال هرم بن حيّان العبديّ: قدمتُ من البصرة فلقيتُ أوَيـْـسًا القَرَنيّ على شطّ الفرات بغير حذاء، فقلت له: كيف أنت يا أخي؟ كيف أنت يا أويس؟ فقال لي: كيف أنت يا أخي؟ قلتُ: حدّثني، قال: إني أكره أن أفتح هذا الباب على نفسي أن أكون محدّثًا أو قاصًّا أو مُفْتيًا، ثمّ أخذ بيدي فبكى، قلتُ: فاقرأ عليّ، قال: أعوذ بالسّميع العليم من الشيطان الرجيم:{حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الدخان:1 ــ 6]، فغُشي عليه ثمّ أفاق وقال: الوَحْدَةُ أحَبّ إلي.ّ قال هرم بن حيّان: ما رأيتُ مثل النـّار نَامَ هاربها ولا مثل الجنّة نَامَ طالبها. أشرف هرم بن حَيّان في ليلة قمراء وإذا صاحب حرسه يلعب أخراج فدعاه فقال: إذا كان غدًا فصُمْ، فصنع ذلك به ثلاث ليالٍ، ثمّ قال: اذهب الآن فالعب أخراج. قيل لهرم بن حَيّان: أوْصِ، قال: ما أدري ما أوصي ولكن بيعوا دِرْعي فاقضوا عني دَيـْني، فإن لم يتمّ فبيعوا فرسي فاقضوا عني ديني، فإن لم يتمّ فبيعوا غلامي، وأوصيكم بخواتيم سورة النحل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} إلى آخر السورة: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 125 ـــ 128]. قال الحسن: كان الرجل إذا كانت له حاجة والإمام يخطب قام فأمسك بأنفه فأشار إليه الإمام أن يخرج، فكان رجل قد أراد الرجوع إلى أهله فقام إلى هرم بن حيّان وهو يخطب فأخذ بأنفه فأشار إليه هرم أن يذهب، فخرج إلى أهله فأقام فيهم، ثمّ قدم فقال له هرم: أين كنت؟ فقال: في أهلي فقال: أبإذن ذهبت؟ قال: نعم، قمتُ إليك وأنت تخطب فأخذتُ بأنفي فأشرتَ إليّ أن اذهب، قال: فاتّخَذتَ هذا دَغَلًا أو كلمة نحوها، ثمّ قال: اللّهمّ أخّر رجال السوء لزمان السوء. قال هرم بن حَيّان: إيّاكم والعالم الفاسق، فبلغ عمر بن الخطّاب فكتب إليه وأشفق منها: ما العالم الفاسق؟ فكتب إليه هرم بن حيّان: والله يا أمير المؤمنين ما أردتُ به إلا الخير، يكون إمام يتكلّم بالعلم ويعمل بالفسق، فيُشبِّه على النـّاس فيَضِلّوا. كان ثقةً وله فضل وعبادة، روى عنه الحسن البصريّ.
وَجّه عثمان بن أبي العاص هرم بن حيان العبديّ إلى قلعة بجرة ــ ويقال لها قلعة الشيّوخ ــ فافتتحها عنوةً، وسبى أهلهَا، وذلك في سنة ستٍّ وعشرين، وقيل: سنة ثمان عشرة، وقال أبو عبيدة: وفي سنة ثمان عشرة حاصر هرم بن حيان أهل أبْرَشَهْر، فرأى ملكهم امرأة تأْكلُ ولدَها من شدّة الجوع والحصار، فقال: الآن أصالح العرب، فصالح هرم بن حيان على أن خلى له المدينة، ومنها نزل النّاس الكوفة، وبنى سعد مسجد جامعها، وكان الأمير في وقعة صُهاب هرم بن حيان العبديّ. وقال غيره: بل كان الأمير يومئذ الحكم بن أبي العاص. وكان على عبد القيس في الفتوح. عن أبي نضرة: أن عمر بعث هرم بن حيان على الخيل، فكتب إلى عمر أنه لا طاقة لي بالرعية. قال مالك بن دينار: استُعمل هرم بن حيّان، فظنّ أنّ قومه سيأتونه فأمر بنارٍ فأوقِدَتْ بينه وبين من يأتيه من القوم، فجاء قومه فسلّموا عليه من بعيد فقال: مرحبًا بقومي، ادنوا فقالوا: والله ما نستطيع أن ندنوَ منك، لقد حالت النـّار بيننا وبينك، قال: فأنتم تُريدون أن تُلقوني في نار أعظم منها في جهنّم، قال: فرجعوا.
مات هرم بن حيّان في غزاة له في يوم صائف، فلما فُرغ من دفنه جاءت سحابة فرشّت القبر وما حوله، ثمّ انصرفت، ونبت العشب من يومه.