تسجيل الدخول


سعد بن مالك الخدري

سَعْدُ بن مالك بن سِنَان الأَنصاري الخُدْرِيّ:
أَخرجه أَبو نُعَيم، وأَبو عمر، وأَبو موسى. وكنيته أَبو سعيد، وهو مشهور بكنيته. وأمّ أَبِي سَعِيد أُنَيْسَة بنت أبي حَارِثَةَ ــ عَمرو ــ بن قيس النجارية، وأخُو أبي سعيد لأمه قَتَادَةُ بن النعمان الظَّفَرِيّ، من أهل بدر. وخُدْرة، وخُدَارة أَخوان بَطْنَان من الأنصار، فأبو مسعود الأنصاريّ مِنْ خُدَارة، وأبو سعيد من خُدْرة، وخدارة وخدرة هما ابنا عوف بن الحارث بن الخزرج، وكان يقال لسنان جَدّ أبي سعيد الخُدْريّ: الشَّهيد. وقال محمد بن عمر: وقد روى أبو سعيد عن أبيه مالك بن سِنَان حَدِيثًا سمعه من اليهود قَبْل مَبْعَثِ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فيه صفة رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وأنه حدّث بذلك رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة، وقُتِلَ أبوه مالك بن سِنَان يوم أُحُدٍ شهيدًا، وروى محمد بن عمر، عن أبي سعيد الخدري قال عُرِضتُ يومَ أُحدٍ على النبي صَلَّى الله عليه وسلم وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، فجعل أبي يأخذ بيدي فيقول يا رسول الله إنه عَبْلُ العظام وإنْ كَانَ مُودَنًا، قال: وجعل النبي صَلَّى الله عليه وسلم يُصَعِّدُ فيَّ ويُصَوِّب ثم قال: "رُدّهُ" فردّه(*)، قال محمد بن عمر: والمُودَن: القَصِير، وفي رواية عُرِضت على رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يوم الخندق.
ووَلَدَ أبو سعيد: عَبْدَ الله، وحَمْزَةَ، وسعيدًا، وعبدَ الرحمن؛ وأمُّهم أمُّ عبد الله بنت عبد الله بن الحارث الأوسية، وأُمَّ عبد الرحمن؛ وأمها أم ولد. وروى ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ، عن هند بنت سعيد بن أبي سعيد الخُدريّ، عن عمها: جاء رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم عائدًا إلى أبي سعيد، فقدَّمنا إليه ذِراعَ شاة(*)، وأبو سعيد ممن له عقب من الصحابة. وكان يحفي شاربه، ويُصَفِّر لحيته، وروى مسلم بن إبراهيم، عن أبي هارون العَبْدِيّ قال: رأيت أبا سعيد الخُدْرِيّ أبيضَ الرأسِ واللحيةِ، وروى خالد بن مَخْلَد، عن وَهْب بن كَيْسان قال: رأيت أبا سعيد الخُدْرِيّ يلبسُ الخزَّ، وروى وَكِيع بن الجَرّاح، عن موسى بن دِهْقَان قال: رأيت أبا سعيد الخُدْرِيّ يَأْتَرِزُ إلى أَنْصَافِ سَاقَيْه.
وروى محمد بن عمر، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: خرجتُ مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في غزوة بَلْمُصْطَلِق، قال محمد بن عمر: وهو يومئذ ابن خمسَ عشرة سنة، قال: وشهد أيضا الخندق، وما بعد ذلك من المشاهد، وروى يحيى بن عباد، عن يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، قال: لَمّا استُبيحَت المدينة ـــ يعني الحَرَّةِ ـــ دخل أبو سعيد الخُدْرِيّ غارًا، فدخل عليه رجلٌ من أهل الشام فقال: اخرجْ، فقال: لا أخرجُ وإِنْ تَدْخلُ عَلَيّ أَقْتُلْكَ، فدخلَ عليهِ فوضعَ أبو سعيدِ السيفَ وقال: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [سورة المائدة: 29]، قال: أنت أبو سعيد؟ قال: نعم، قال: اسْتَغْفِرْ لِي، قال: غفر الله لك، وروى محمد بن عمر، عن أَبِي سعيد الخُدْرِيّ قال: لزمت بَيْتِي ليالي الحَرَّةَ فلم أخرج، فدخل عَلَيَّ نَفَرٌ من أهل الشام فقالوا: أيها الشيخ! أَخْرِجْ ما عندك، فقلت: والله ما عندي مالٌ، قال: فَنَتَفُوا لِحْيَتِي وضَرَبُوني ضَرباتٍ ثم عمدوا إلى بيتي فجعلوا يَنْقلُون مَا خَفّ لهم مِنَ المَتَاع حتى إنهم يَعْمدون إلى الوِسَادة والفراش فينفضون صُوفَهُما ويأخذون الظَّرْفَ، حتى لقد رأيتُ بَعْضَهم أخذ زَوْجَ حمامٍ كان في البيت ثم خرجوا به، وروى يعقوب بن إسحاق الحَضْرمِيّ، وهشام أبو الوليد الطَّيَالِسِيّ، عن غَيْلاَن بن شُمَيْخ الغَيلاَنِيّ قال: أتيتُ المدينة، فانطلقت إلى أبي سعيد الخُدْرِيّ، فدخلت عليه فإذا شيخٌ كبيرٌ يُصلِّي حين زالت الشمس معتمدًا على جَرِيدَةٍ إذا قام اعتمد عليها، وإذا ركع أسندها إلى القبلة، فإذا أراد أن يسجد اعتمد عليها من الكِبَر، وإذا سجد جَافَى مِرْفَقَيْه عن جَنْبَيْهِ حتى أرى بياضَ إبطَيْهِ.
وكان أبو سعيد من الحُفاظ المكثرين العلماء الفضلاء العقلاء، وأخباره تَشْهدُ له بتصحيح هذه الجملة‏، وَرَوى عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده قال: بايعتُ النبيَّ صَلَّى الله عليه وسلم أنا وأبو ذَرّ، وعبادة بن الصّامت، ومحمد بن مسلمة، وأبو سعيد الخُدْري، وسادس على ألا تأخذنا في الله لومةُ لائم، فاستقال السادس؛ فأقاله(*)، وروى شُعْبَةُ، عَنْ أبي سَلَمَةَ قال: سمعتُ أبا نضرة، عن أبي سعيد رفعه: "لاَ يمْنَعَنَ أحَدَكُمْ مخافَةُ النَّاسِ أنّ يَتكَلَّمَ بِالْحَقِّ إذَا رَآهُ أوْ عَلِمَهُ"؛(*)، قال أبو سعيد: فحملني ذلك على أن ركبت إلى معاوية؛ فملأت أذنيه ثم رجعت.
رَوى أبو سعيد عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم الكثير، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وغيرهم، وروى عنه من الصحابة ابن عبَّاس، وابن عمر، وجابر، ومحمود بن لبيد، وأبو أمامة بن سهل، وأبو الطفيل، وزيد بن ثابت، وأَنس، وابن الزبير، وروى عنه من كبار التَّابعين: ابن المسيّب، وأبو عثمان النهدي، وطارق بن شهاب، وعبيد بن عمير، وأَبو سلمة، وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، وعطاء بن يسار، وأَبو أُمامة بن سهل بن حُنَيف، وروى عنه ممن بعدهم: عطاء، وعياض بن عبد الله بن أبي سرح، وبشر بن سعيد، ومجاهد، وأبو المتوكل الناجي، وأبو نضرة، ومعبد بن سيرين، وعبدالله بن مُحَيريز، وآخرون، وهو مكثر من الحديث، وروى مسلم بن إبراهيم، عن أبي نضرةَ قال: قلنا لأبي سعيد الخدري: ألا نكتب ما نسمع منك؟ قال: تريدون أن تَجعلوها مَصَاحِفَ! احفظوا مِنّا كَمَا حفظنا. وروى عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، عن أبي سعيد قال: تحدثوا، فإن الحديث يهيج الحديث. وروى حنظلة بن أبي سفيان، عن أشياخه قالوا: كان من أفقه أحداث الصحابة، وقال الخطيب: كان من أفاضل الصحابة، وحفظ حديثًا كثيرًا. وقال عطية بن سعد: سمعت أَبا سعيد الخدري قال: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ العُلَى لِيَرَاهُمْ مَنْ تَحْتَهُمْ كَمَا تَرُونَ النَّجْمَ الطَّالِعِ فِي أَفُقٍ مِنْ آفَاقِ السَّمَاءِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا"(*) أخرجه الترمذي في السنن 5/ 567 كتاب المناقب (50)باب مناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنه (14) حديث رقم 3658 وابن ماجه في السنن حديث (96) وأحمد في المسند 3/ 27، 72، 93 والطبراني في الكبير 6/ 160، وأبو نعيم في الحلية 7/ 250.، وقال أَبو سعيد: قُتل أَبي يوم أَحد شهيدًا، وتركنا بغير مال، فأَتيت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أَسأَله شيئًا، فحين رآني قال: "مَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ أْعَفَّهُ اللَّهُ"(*)، قلت: ما يريد غيري، فرجعت، وروى يحيى بن عَبّاد، عن هلاَلَ بنَ حصن قال: نزلت دَارَ أبي سعيد الخُدْرِيّ بالمدينة فضمّني وإياهُ المجلسُ فحدّث: أنه أصبح ذات يوم وليس عندهم طعام، وقد ربط حَجَرًا من الجوع قال: فقالت لي امرأتي: ائْتِ النبي صَلَّى الله عليه وسلم فَسَلْهُ فقد أتاه فلان فأعطاه وأتاه فلان، فقلت: لا، حتى لا أجد شيئا، فطلبت فلم أجد شيئًا، فأتيت النبيَّ صَلَّى الله عليه وسلم، وهو يخطب، فأدركت من قوله: "من يستغنِ يُغنِهُ الله، ومَنْ يَسْتَعْفِف يُعِفُّهُ الله، ومَن يسألنا إِمّا أَنْ نَبذُلَ له أو نُوَاسِيه، ومن استغنى عنّا أحبُّ إلينا ممّن سألنا"، وفي رواية: "... واليدُ العليا خيرٌ من اليد السُّفْلَى، ولا يفتح أحدٌ بابَ مسألةٍ إلا فتح الله عليهِ باب فَقْرٍ" قال: فما سألتُ أحدًا بعدهُ، وما زال الله يرزقنا حتى ما أعلم أهل بيتٍ من الأنصار أكثر أَموالًا مِنَّا، وروى شُعْبة، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: أَهْدَى مَلِكُ الروم إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم هدايا فكان فيما أهدى إليهِ جَرّةً فيها زَنْجَبِيل، فأطعم كلَّ إنسانٍ قطعةً، وأطعمني قطعةً(*)، وروى الفضلُ بن دُكَيْن، عن فُضيل قال: كان أبو سعيد الخُدْرِيّ إذا رُفِع الطعامُ من بين يديه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مُسْلمِين، وروى عفان بن مسلم، وموسى بن إسماعيل، عن إسماعيل بن رجاءٍ بن ربيعة عن أبيه، قال: كنا عند أبي سعيد الخُدرِيّ في مرضه الذي توفي فيه وهو ثقيلٌ قال: فأُغْمِيَ عليه قال: فلما أفاق قلنا: الصلاة يا أبا سعيد قال: كفاني؛ يعني: كَفَى مَا بِي قد صَلّيتُ، وروى وَكِيع بن الجَرّاح، عن بنت أبي سعيد الخُدْرِيّ، أن أبا سعيد الخُدْرِيّ لما حُضِرَ دَعَا نَفَرًا من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فيهم: ابن عباسِ، وابن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله فقال: لاَ يَغْلِبَنّكُم ولدُ أَبِي سعيد، إذا أنا مُتُّ، فكَفِّنُونِي في ثيابي التي كنت أُصَلّيَ فيها وأَذْكُر الله فيها، وفي البيت قُبْطِيَّة ــ أو قِطْرِيَّة ــ فكَفِّنُونِي فيها، وأجمروا عَلَيّ بأوقية مجْمَر، ولا تضربوا على قبري فُسْطَاطًا، واجعلوا في سريري قَطِيفَة أرجوان، ولا تتبعوني بنارٍ، وإذا أخرجتموني فلا تتبعني باكيةٌ، قال: ففعلوا ما أمرهم به. وتوفي أبو سعيد سنة أَربع وسبعين يوم الجمعة، وقيل: أربع وستين، وقال المدائني: مات سنة ثلاث وستين، وقال العسكريّ: مات سنة خمس وستين، ودفن بالبقيع.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال