تسجيل الدخول


الرميصاء أم سليم والدة أنس

أُم سُلَيْم بنتُ مِلْحَان بن خَالد الأنصارية الخزرجية النجارية، وهي بكنيتها أشهر، واختلف في اسمها فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رميثة، وقيل: مليكة، وقيل: الغُمَيصاء، وقيل: الرميصاءَ، وقيل: أُنَيفة.
وأم سليم غير الغُمَيْصَاءُ الأنصارية مُطَلَّقة عمرو بن حزم؛ روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن عمرو بن حزم طلق الغُميَصاء، فنكحها رجل فطلقها قبل أن يمسها، فأتت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال: "لاَ حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا وَتَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِهِ"(*)، رواه ابن عباس فقال: الغميصاءُ أو الرُّميصاءُ، ولم يسم زوجها. قال ابن الأثير: أخرج ابن منده هذا الحديث في ترجمة أم سليم الغميصاء، المقدّم ذكرها ظنًا منه أنها المخاطِبَة للنبي صَلَّى الله عليه وسلم في العَود إلى زوجها، وهو وهم، فإن الغميصاء أم سليم تزوجت بأبي طلحة بن مالك بن النضر، ولم يتفارقا بطلاق إلى أن فَرَّق الموت بينهما.
أخت حرام بن ملحان، وذكر أَبُو عُمَرَ نسبها من كتاب ابْنُ السَّكَنِ بحروفه، لكن قال: اسم أمها مليكة، والذي في كتاب ابن السّكن ــ اسم أمها أنيقة ــ نَبّه عليه ابن فتحون، وكأن أبا عمر أخذه عن ابن سعد فإنه جزم بأن أمها مليكة بنت مالك بن عديّ. وروى إسحاق، عن أنس، أنه حدَّثهم: لم يكن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يدخل بيتًا غير بيت أم سُلَيْم إلا على أزواجه، فقيل له: فقال: "إني أرحمها؛ قُتل أخوها وأبوها معي"(*). قال ابن حجر العسقلاني: والجواب عن دخوله بيت أم حرام، وأختها أنهما كانتا في دار واحدة.
كانت تحت مالك بن النضر أبي أنس بن مالك في الجاهليّة،‏ فولدت له أَنس بن مالك، فلما جاء الله بالإسلام أسلمت مع قومها، وعرضت الإسلام على زوجها، فغضب عليها، وخرج إلى الشّام، فهلك هناك، ثم خلف عليها بعده أَبو طلحة الأنصاريّ، خطبها مُشْرِكًا، فلما علمَ أَنه لا سبيل له إليها إِلا بالإسلام أَسلم، وتزوّجها، وحسن إسلامه، فولد له منها غلام كان قد أعجب به فمات صغيرًا، فأسف عليه، ويقال: إنه أَبو عمير صاحب النّغير، ثم ولدت له عبد الله بن أَبي طلحة فبورك فيه، وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أَبي طلحة الفقيه وإخوته وكانوا عشرة، كلُّهم حُمل عنه العلم. روى إسحاق بن عبد الله، عن جدّته أمّ سُليم أنّها آمنت برسول الله، قالت فجاء أبو أنَس، وكان غائبًا فقال: أَصَبَوْتِ؟ قالت: ما صبوْتُ ولكني آمنت بهذا الرجل، قالت: فجعلت تلقّن أنسًا، وتشير إليه قل لا إله إلاّ الله، قل أشهد أنّ محمدًا رسول الله، قال: ففعل، قال: فيقول لها أبوه: لا تفسدي عليّ ابني، فتقول: إنّي لا أفسده! قال: فخرج مالك أبو أنس فلقيه عدوّ فقتله، فلمّا بلغها قتله قالت: لاَ جَرَم، لا أفطم أنسًا حتى يَدَع الثَّدْي حيًّا، ولا أتزوج حتى يأمرني أنس، فيقول قد قضت الذي عليها، فترك الثدي، فَخَطَبَها أبو طلحة، وهو مُشرِك فأبت، فقالت له يومًا فيما تقول: أرأيت حَجَرًا تعبده لا يضرّك، ولا ينفعك أو خشبة تأتي بها النجّار، فينجرها لك هل يضرّك، هل ينفعك؟ قال: فوقع في قلبه الذي قالت، قال: فأتاها، فقال: لقد وقع في قلبي الذي قلتِ، وآمن، قالت: فإنّي أتزوّجك، ولا آخذ منك صَدَاقًا غيره. وروى محمد بن موسى، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طَلْحة أنّه قال: خَطَب أبو طَلْحة أمّ سُلَيم بنت مِلْحان وكانت أمّ سليم تقول: لا أتزوّج حتى يبلغ أنَس، ويجلس في المجالس، فيقول: جزى الله أمّي عني خيرًا لقد أحسَنَت ولايتي، فقال لها أبو طلحة: فقد جلس أنس، وتكلّم في المجالس، فقالت أمّ سُليم: أيّتهما أعطيتني تزوّجتك، إمّا أن تتابعني على ما أنا عليه أو تكتم عني فإنّي قد آمنتُ بهذا الرجل رسول الله، فقال أبو طلحة: فإنّي على مثل ما أنتِ عليه، قال: فكان الصَّدَاق بينهما الإسلام. روى قَتَادَة، عن أنس بن مالك قال: كان النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، يزور أمّ سُليم أحيانًا فتدركه الصلاة فيصلّي على بساط لنا وهو حَصِير ينضحه بالماء(*). وروى حسين بن أبي سفيان، عن أَنََس بن مالك قال: زار رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، أمّ سليم فصلّى في بيتها صلاة تطوّعًا، وقال: "يا أمّ سُليم، إذا صلَّيتِ المكتوبة فقولي: سبحان الله عشرًا، والحمد لله عشرًا، والله أكبر عشرًا، ثمّ سَلِي الله ما شئتِ، فإنّه يقال لك: نعم نعم نعم"(*). وقال الجارود: حدّثني أنَس بن مالك أنّ النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، كان يزور أمّه أمّ سُليم فتتحفه بالشيء تصنعه له، قال أنس: وأخ لي أصغر مني يكنى أبا عُمَير، فزارنا النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، ذات يوم فقال: "يا أمّ سليم، ما شأني أرى أبا عُمَير ابنك خاثر النفس؟" فقالت: يا نبيّ الله، ماتت صَعْوَةٌ له كان يلعب بها، قال: فجعل النبيّ يمسح برأسه ويقول: "يا أبا عُمَيْر، ما فعل النُّغَيْر؟"(*). روى حميد، عن أنس قال: ثَقُل ابنٌ لأمّ سليم من أبي طلحة فخرج أبو طلحة إلى المسجد، فتوفّي الغلام، فهيّأت أمّ سليم أمره، وقالت: لا تخبروا أبا طلحة بموت ابنه، فرجع من المسجد وقد يسّرت له عشاءه كما كانت تفعل، فقال: ما فعل الغلام، أو الصبيّ؟ قالت: خير ما كان فقرّبت له عشاءه فتعشّى هو وأصحابه الذين معه، ثمّ قامت إلى ما تقوم له المرأة فأصاب من أهله، فلمّا كان من آخر الليل قالت: يا أبا طلحة ألم ترَ إلى آل فلان استعاروا عاريّة فتمتعوا بها فلمّا طُلبت إليهم شقّ عليهم؟ قال: ما أنصفوا، قالت: فإنّ ابنك فلانًا كان عاريّة من الله فقبضه إليه، قال: فاسترجع، وحمد الله، فلمّا أصبح غدا على رسول الله، فلمّا رآه قال: "بارك الله لكما في ليلتكما!" فحملت بعبد الله بن أبي طلحة، فولدت ليلًا فكرهت أن تحنّكه هي حتى يحنّكه رسول الله، فأرسلت به مع أنس، وأخذت تمرات عجوة فانتهيت به إلى رسول الله، وهو يَهْنَأُ أَبَاعِرَ له وَيَسِمُها فقلت: يا رسول الله، ولدت أمّ سليم الليلة فكرهت أن تحنّكه حتى تحنّكه أنت، قال: "معك شيء؟" قال: قلت تمرات عجوة، فأخذ بعضها فمضغه، ثمّ جمعه بِرِيقهِ فأوجره إيّاه فتلمّظ الصبيّ، فقال: "حبّ الأنصار التمر"، قال: فقلت: سمّه يا رسول الله، قال: "هو عبد الله"(*)، قال عباية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبعة بنين كلّهم قد ختم القرآن.
أسلمت مع السَّابقين إلى الإسلام من الأنصار، وشهدت يوم حُنَينْ وهي حامل بعبد الله بن أَبِي طَلْحة، وشهدت قبل ذلك يوم أُحُد تسقي العَطْشَى، وتداوي الجرحى، وروى ابن عون، عن محمد أن أمّ سليم كانت مع النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، يوم أحُدٍ ومعها خنجر. وروى أنس أنّ أمّ سليم اتّخذت خنجرًا يوم حُنين. قال أبو طلحة: يا رسول الله، هذه أمّ سليم معها خِنْجَر! فقالت: يا رسول الله، أتّخذه إنْ دَنَا مني أحد من المشركين بَقَرْتُ به بطنه، وقال عفّان: بعجت به بطنه، أَقتل الطُّلقاء، وأضرب أعناقهم انهزموا بك، قال فتبسّم رسول الله وقال: "يا أمّ سُلَيم، إنّ الله قد كفى وأحسن"(*).
كانت من عقلاء النّساء، وروى محمد بن سيرين، عن أمّ سليم قالت: كان رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، يَقيل في بيتي فكنت أَبْسُط له نِطْعًا فَيَقيل عليه، فَيَعْرَق فكنت آخذ سُكًّا فأعجنه بعرقه(*). قال محمد: فاستوهبتُ من أمّ سليم من ذلك السكّ، فوهبتْ لي منه، قال أيّوب: فاستوهبت من محمد من ذلك السّك فوهب لي منه فإنّه عندي الآن، قال: فلمّا مات محمد حُنّط بذلك السُّكّ. قال: وكان محمد يعجبه أن يُحَنّط الميّت بالسُّكّ. وروى البراء بن زيد أنّ النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، قال في بيت أمّ سليم على نطع فعرق، فاستيقظ رسول الله وأمّ سليم تمسح العرق فقال: "يا أمّ سليم، ما تصنعين؟" قال: فقالت: آخذ هذا للبركة التي تخرج منك(*). وفي رواية قالت: باقي عرقك أريد أن أَدُوفَ به طِيبي. وروى أنس بن مالك أنّ النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، دخل على أمّ سليم بيتها، وفي البيت قربة معلّقة فيها ماء فتناولها فشرب من فيها وهو قائم، فأخذتها أمّ سليم فقطعت فمها فأمسكته عندها(*). وروى أنس أنّ النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، لما أراد أن يحلق رأسه بمنى أخذ أبو طلحة شِقَّ شعره فحلق الحجّام فجاء به إلى أمّ سليم، فكانت أمّ سليم تجعله في سُكّها(*). وروى حميد، عن أنس أنّ النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، دخل على أمّ سليم فأتته بتمر وسمن فقال: "أعيدوا سمنكم في سقائكم، وتمركم في وعائكم فإنّي صائم"، ثمّ قام في ناحية البيت فصلّى صلاة غير مكتوبة، فدعا لأمّ سليم ولأهل بيتها، فقالت أمّ سليم: يا رسول الله، إنّ لي خُوَيْصَّةً، قال: "ما هي؟" قالت: خادمك أنس، فما ترك خير آخرة ولا دُنيا إلاّ دعا لي به، ثمّ قال: "اللهمّ ارزقه مالًا وولدًا وبارك له"، فإنّي لمن أكثر الأنصار مالًا. وحدّثتني ابنتي أمينة أنّه قد دفن لصلبي إلى مقدم الحجّاج البصرة تسعًا وعشرين ومائة(*). روى حُمَيد، عن أنس قال: بعثت أمّ سليم إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، معي بمكتل من رطب فلم أجده في بيته وإذا هو عند مولىً له خَيَّاط أو غيره يعالج صنعة له، قد صنع له ثَريدة بلحم وقَرع، فدعاني، فلمّا رأيته يعجبه القرع جعلت أُدنيه منه، فلمّا رجع إلى منزله وضعت المِكْتَل بين يديه، فجعل يأكل منه، ويقسم حتى أتَى على آخره(*). وروى قَتَادة، عن أنس أنّ أمّ سُليم بعثت معه بقناع فيه رُطب إلى النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، قال: فقبض قبضة، فبعث بها إلى بعض أزواجه، ثمّ أكل أكل رجل تعلم أنّه يشتهيه(*). وروى ثابت، عن أنس بن مالك، عن النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، قال: "دخلت الجنّة فسمعت خَشْفَةً فقلت: ما هذا؟ فقيل: الرّمَيْصاء بنت مِلحان"(*). هكذا قال عفّان، قال سليمان: الغُمَيْصاء. روى عطاء، عن أمّ سليم الأنصارّية قال لها النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم: "ما لأمّ سليم لم تحجّ معنا العام؟" قالت: يا نبيّ الله، كان لزوجي نَاضِحَان فأمّا أحدهما فحج عليه، وأمّا الآخر فتركه يسقي عليه نخله، قال: "فإذا كان رمضان أو شهر الصوم فاعتمري فيه فإنّ عمرة فيه مثل حجّة، أو تقضي مكان حِجّة"(*). روى عطاء، عن ابن عبّاس، أنّ أمّ سليم قالت: يا رسول الله، إنّ أبا طلحة وابنه حجّا على نَاضِحِهما وتركاني، فقال رسول الله: "عمرة في رمضان تجزيك من حجّة معي"(*). وروى سليمان التيمي، عن أنس قال: كانت أمّ سليم مع نساء النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، وهنّ يسوق بهنّ سوّاق، قال: فأتى عليهنّ النبيّ فقال: "يَا أَنْجَشَة، رُوَيْدَك سوقك بالقَوَارِير"(*). وروى أَبو قِلاَبَةَ، عن أنس قال: رأيت أَنْجَشَةَ وهو يسوق بالنبيّ، ومعه أمّ سليم والنبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، يقول: "رويدًا يَا أَنْجَشَةَ، ويحك، سوقك بالقَوَارِير"(*).
روت أُم سليم عن النّبي صَلَّى الله عليه وسلم أَحاديث، وروَى عنها ابنها أنس، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبو سلمة بن عبد الرّحمن، وعائشة، وأم سلمة وآخرون، وروى سليمان بن المغيرة عن ثابت، عن أَنس، قال: أَتيت أبا طلحة وهو يضرب أَمي، فقلت: تضرب هذه العجوز... في حديث ذكره، وروى عن أُم سليم أَنها قالت: لقد دَعَا لي رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم حتى ما أُرِيد زيادة‏(*).
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال