تسجيل الدخول


صخر بن حرب الأموي

ولد أبو سفيان قبل الفيل بعشر سنين. وكان أبوه أول مَن كتبَ بالعربية، تعلم ذلك مِن أهل الحيرة، وكان أبو سفيان في عير قريش التي أقبلت مِن الشام، وخرج رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يعترض لها حتى ورد بدرًا، وَسَاحَلَ أبو سفيان بالعير وبعث إلى قريش بمكة يخبرهم أن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم قد خرج يَعْتَرِض لِعِيرِهم ويأمرهم أن ينفروا إليه، فنفروا وخرجوا حتى لقوا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم ببدر، ونجا أبو سفيان بالعير، ولم يخرج مع قريش أحد مِن بني زُهْرَة ولا مِن بني عَدِيّ بن كَعْب، فقال لهم أبو سفيان: لا في العير ولا في النفير. فهو أوّل مَن قال هذه الكلمة. وكان على رأس المشركين يوم أُحُد، وكان رأس الأحزاب يوم الخَنْدَق، وقبل ذلك ما وَاعَدَ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يوم أُحد أن يلتقوا ببدر الموعد على رأس الحول!! فوافى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في المسلمين، ولم يُوَافِ أبو سفيان ولا أحد مِن المشركين، ولم يزل أبو سفيان بعد انصرافه عن الخندق بمكة لم يلقَ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في جمع. وقال يعقوب بن عبد الله عن جعفر عن سعيد}: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ{ [سورة الأنفال: 36] قال: نزلت في أبي سفيان. وعن ابن أَبْزَى} : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ{ [سورة آل عمران: 173]. قال أبو سفيان: قال القوم: إن لقيتم أصحاب محمد فأخبروه أنا قد جمعنا لهم جُموعًا. فأخبروهم، فقالوا}:حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{ [سورة آل عمران: 173]. وفي يوم خرج النبي صَلَّى الله عليه وسلم ملتحفًا بثوب مِن بعض بيوت نسائه وأبو سفيان جالس في المسجد، فقال أبو سفيان: ما أدري بم يَغْلِبنا محمد؟ فأتى النبي صَلَّى الله عليه وسلم حتى ضَرَبَ في ظَهْرِه وقال: "بالله يغلبك". قال أبو سفيان: أشهدُ أنك رسول الله. وقال ابن عباس: لما نزل رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم مرّ الظَّهْرَان، قال العباس بن عبد المطلب: وَاصَبَاحَ قريش إنْ دَخَلَها رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم عَنْوَةً، قال العباس: فأخذتُ بغلة رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم الشَّهْبَاء فركبتها، وقلتُ ألتمس حَطَّابًا أو إنسانًا أبعثه إلى قريش. قال: فوالله إني في الأَرَاك إذا أنا بأبي سفيان بن حرب فقلت: أبا حَنْظَلَة؟ قال: يا لبيك، أبا الفضل!! وعرف صوتي، فقال: ما لك؟ فداك أبي وأمي، قلت: ويلكَ هذا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في عشرة آلاف، فقال: بأبي وأمي مَا تَأْمُرُني. هل مِن حيلة؟ قلت: نعم، تركب عَجُزَ هذه البغلة، فأَذهبُ بك إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم؛ فإنه إنْ ظُفِر بك دونه قُتِلْتَ، قال: وأنا والله أرى ذلك. ثم ركب خلفي وتوجهتُ به إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ورآه عمر بن الخطاب فعرفه وأراد قتله، وقال: يا رسول الله، أبو سفيان أخذ بلا عهد ولا عقد، قال: فقلت: إني قد أَجَرْتُه. وجرى بين العباس بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب في ذلك كلام، قال: فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "ويْحك يا أبا سفيان ألم يَأْنِ لكَ أن تعلم أن لا إله إلا الله؟!" قال: بأبي أنت وأمي ما أحْلَمك وأكرمك وأعظم عَفوك! قد كاد يقع في نفسي أن لو كان مع الله إله لقد أغنى شيئًا بعد. قال: "يا أبا سفيان ألم يَأْنِ لكَ أن تعلم أني رسول الله؟" قال: بأبي أنت وأمي ما أحْلَمك وأكرمك وأعظم عَفوك، أما هذه فوالله إن في النَّفْس منها لَشيء بعد، فقال العباس: ويحك. اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم، قبل والله أن تقتل. قال: فشهد شهادة الحق فقال: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله. فقال العباس: يا نبي الله قد عرفتَ أبا سفيان وحُبه الشرف والفَخر فاجعل له شيئًا. قال: "نَعم: مَن دَخَلَ دار أبي سفيان فهو آمن ومَن أغَلَقَ داره فهو آمن". وفي رواية: أن النبي صَلَّى الله عليه وسلم قال‏: ‏"‏مَنْ دَخَلَ دَاَرَ أَبِي سُفْيَان فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ آمِنٌ‏"‏؛ وقال ثابت البُنَاني: إنما قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "مَن دَخل دار أبي سفيان فهو آمن" لأن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم كان إذا أوذي وهو بمكة، فدخل دار أبي سفيان أمن. فكان من المؤلفة، وحسن إِسلامه وروى سعيد بن المُسَيَّب عن أبيه؛ قال: خمدت الأصوات يوم اليرموك والمسلمون يقاتلون الروم، إلا صوت رجل يقول: يا نصر الله اقترب، يا نَصر الله اقترب، فرفعتُ رأسي أنظر؛ فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان؛ وكان يزيد بن أبي سفيان على ربع، وأبو عُبَيدة بن الجرّاح على ربع، وعَمرو بن العاص على ربع، وشرحبيل بن حَسَنة على ربع، ولم يكن عليهم أمير يومئذ. وروى جُبَيْر بن الحُوَيْرِث بن نُقَيْد قال: حضرتُ يوم اليَرموك المعركة فلا أسمع للناس كلمة ولا صوتًا إلا نَقْفَ الحديد بعضه بعضًا، إلا أني قد سمعتُ صائحًا يقول: يا معشر المسلمين، يومٌ مِن أيام الله أبلوا فيه بلاءً حسنًا، وإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان. وفي رواية أَن أبا سفيان بن حرب كان يقِفُ على الكراديس يوم اليْرموكِ، فيقول للنّاس: الله الله، فإنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الرَّوم وأنصار المشركين؛ اللهم هذا يومٌ من أيامك، اللهم أَنْزِلْ نَصْرَك على عبادك. وروى الزُّبير قال: رميتُ أبا سفيان يوم الطّائف فأصبْتُ عينه، فأتى النبيَّ صَلَّى الله عليه وسلم، فقال: هذه عيني أُصيبت في سبيل الله. قال: "إنْ شِئْتَ دَعَوْتُ فَرُدَّتْ عَلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ فَاْلجَنَّةُ" . قَالَ: الجنّة.. فلم يزَلْ أَعْوَر حتى فقِئت عينه الأخرى يوم اليرموك أَصابها حجَر، فشدخها، فعمي. وأَعطاه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم من غنائم حنين مائة بعير وأَربعين أُوقية، وَزَنـَها له بلال، فلما أعطاه وأعطى ابنيه: يزيد ومعاوية، قال له أبو سفيان: والله إنك لَكريم فداك أبي وأمي، لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فَنِعْمَ المسالم أنت، فجزَاكَ الله خيرًا وذكر ابْنُ إِسْحَاقَ أنَّ النبيَّ صَلَّى الله عليه وسلم وجَّهه إلى مناة فهدمه. وروى عَلْقَمة بن نَضْلَة أن أبا سفيان بن حَرب قام على ردم الحذّائين ثم ضرَب برجله وقال: سَنام الأرض إن لها سَنامًا، يزعم ابن فَرْقدَ أني لا أعرفُ حقي مِن حقه! لي بياض المروة وله سوادها، ولي ما بين مقامي هذا إلى تُجْنَى ساحة الطائف، فَبَلَغَ ذلك عمر بن الخطاب فقال: إن أبا سفيان لَقديم الظلم، ليس لأحدٍ حق مِن الأرض إلا ما أحاطت عليه جدرانه. وقَدم عمر بن الخطاب مكة، فوقف على الرّدم، فقال له أهل مكة: إن أبا سفيان قد سَدَّ علينا مجرى السَّيْل بأحجارٍ وضعها هناك فقال: عليّ بأبي سفيان، فجاء، فقال: لا أبرح حتى تنقل هذه الحجارة حَجَرًا حجرًا بنفسك، فجعل ينقلها. فلما رأى عمر ذلك قال: الحمد لله الذي جَعَلَ عُمر يأمر أبا سفيان ببطن مكة فيطيعه. وروى عائذ بن عَمرو أن سَلْمان وصُهَيبًا وبِلالًا كانوا قعودًا، فمرّ عليهم أبو سفيان فقالوا: ما أخذت سيوف الله مِن عُنق عدو الله مأخذها بعد. فقال أبو بكر الصّدّيق: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها! أعطاه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم مِن غنائم حنين مائة مِن الإبل. وكان من أشرافِ قريش في الجاهليّة، وكان تاجرًا يجهِّزُ التجّار بماله وأموالِ قريش إلى الشّام وغيرها من أرض العجم، وكان يخرج أحيانًا بنفسه، فكانَتْ إليه راية الرّؤساء المعروفة بالعُقَاب، وكان لا يحبسها إلا رئيس؛ فإذا حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعَتْ تلك الرّاية بيد الرّئيس‏.‏ ويقال:‏ كان أفضل قريش في الجاهليّة رأيًا ثلاثة: عتبة، وأبو جهل، وأبو سفيان؛ فلما أتى الله بالإِسلام أدْبَرُوا في الرَّأي. وكان أبو سفيان صديق العبّاس ونديمه في الجاهليّة. وقد استعمله النبي صَلَّى الله عليه وسلم على نَجْرَان، فمات النبي صَلَّى الله عليه وسلم وهو والٍ عليها، ورجع إلى مكّة، فسكنها برهة، ثم رجع إلى المدينة، فمات بها‏، وكانت وفاته في خلافة عثمان، وقيل: عاش ثلاثًا وتسعين سنة، وقيل: ثمانٍ وثمانين. وصَلَّى عليه ابنْهُ معاوية. وقيل: بل صَلَّى عليه عثمان بموضع الجنائز، ودُفِن بالبقيع.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال