تسجيل الدخول


أبو ثابت سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي

((سَعْد بن عُبَادة بن دُلَيْم بن حَارِثة بن أَبي حَزِيمة، وقيل: حارثة بن حِزام بن حَزِيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأَنصاري الساعدي)) أسد الغابة. ((سعد بن عُبادة بن دُلَيْم: بن حارثة بن حرام بن حَزِيمة بن ثعلبة)) الإصابة في تمييز الصحابة. ((سعد بن عُبادة بن دُليم بن حارثة بن حليمة، ويقال ابن أبي حَزِيمة بن ثعلبة)) الاستيعاب في معرفة الأصحاب.
((يكنى أَبا ثابت، وقيل: أَبا قيس، والأَول أَصح.)) أسد الغابة.
((أمّه عمرة وهي الثالثة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجّار بن الخزرج، وهو ابن خالة سعد بن زيد الأَشْهَليّ من أهل بدر.)) ((كانت أمّه عمرة بنت مسعود من المبايعات فتُوفّيت بالمدينة ورسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، غائب في غزوة دومة الجندل، وكانت في شهر ربيع الأوّل سنة خمسٍ من الهجرة، وكان سعد بن عبادة معه في تلك الغزوة، فلمّا قدم رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، المدينة أتَى قبرها فصلّى عليها. أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: أخبرنا سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيّب أنّ أمّ سعد بن عبادة ماتت والنبيّ، عليه السلام، غائب فقال له سعد: إنّ أمَّ سعدٍ ماتت وإنّي أحبّ أن تُصَلّي عليها. فصلّى عليها وقد أتى لها شَهْرٌ(*). أخبرنا روْح بن عبادة قال: أخبرنا محمّد بن أبي حَفْصة قال: أخبرنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عبّاس قال: استفتى سعد بن عبادة رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم، في نَذْرٍ كان على أمّه فتُوفّيت قبل أن تقضيه، فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "اقْضِه عنها"(*). أخبرنا رَوْح بن عُبادة، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني يَعْلَى أنّه سمع عِكْرمَة مولى ابن عبّاس يقول: أنبأنا ابن عبّاس أنّ سعد بن عبادة ماتت أُمّه وهو غائب عنها فأتى رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إنّ أُمّي تُوفّيت وأنا غائب أفَيَنْفَعُها إن تصدّقْتُ عنها؟ قال: "نعم"، قال: فإنّي أُشْهِدُك أنّ حائطي المِخْراف صدقة عنها(*). أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال: أخبرنا همّام عن قتادة عن سعيد بن المسيّب أنّ سعدًا أتى النبي صَلَّى الله عليه وسلم، فقال: إنّ أمّ سعدٍ ماتت ولم توصِ فهل ينفعها أن أصدّق عنها؟ قال: "نعم"، قال: فأيّ الصدقة أحبّ إليك، أو قال: أعجب إليك؟ قال: "اسقِ الماءَ"(*). أخبرنا هشام أبو الوليد قال: أخبرنا شُعبة عن قَتادة عن سعيد بن المسيّب أنّ أمّ سعد ماتت فسأل النبيَّ، عليه السلام: أيّ الصّدقة أفضل؟ قال: "اسقِ الماءَ"(*). أخبرنا عَمرو بن عاصم قال: أخبرنا سُويد أبو حاتم صاحب الطعام قال: سمعتُ الحسن، وسأله رجل أشْرَبُ من ماء هذه السقاية التي في المسجد فإنها صدقة، فقال الحسن: قد شرب أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، من سقاية أمّ سعد فَمَهْ؟))
((كان لسعد بن عبادة من الولد سعيد ومحمّد وعبد الرحمن وأمّهم غَزِيّة بنت سعد بن خليفة بن الأشرف بن أبي حَزيَمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة، وقيس وأمامة وسَدوس وأمّهم فُكيْهة بنت عبيد بن دُليم بن حارثة بن أبي حَزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة.)) الطبقات الكبير. ((أَخبرنا أَبو أَحمد عبد الوهاب بن أَبي منصور الأَمين، بإِسناده إِلى أَبي داود سليمان بن الأَشعث قال: حدثنا محمد بن المثنى، وهشام بن مروان المعني، قال ابن المثنى: أَخبرنا الوليد بن مسلم، أَخبرنا الأَوزاعي قال: سمعت يحيى بن أَبي كثير، يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أَسعد بن زُرَارة، عن قيس بن سعد، قال: زارنا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في منزلنا فقال: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، قال فرد سعد ردًا خفيًا قال قيس فقلت ألا تأذن لرسول الله صَلَّى الله عليه وسلم؟ قال: دعه يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "السلام"، ثم رجع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله، إِني كنت أَسمع تسليمك، وأَردّ عليك ردًا خفيًا، لتكثر علينا من السلام؛ فانصرف معه رسول الله، فأَمر له سعد بغُسْل فاغتسل، ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو وَرْس، فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله يديه، وهو يقول: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتَكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ" (*)أخرجه أحمد في المسند 3/ 421 والطبراني في الكبير 18/ 354 والهندي في كنز العمال حديث (25987،33329). وقد كان قيس بن سعد من أَعظم الناس جُودًا وكرمًا، وقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم عن قيس بن سعد بن عبادة: "إِنَّهُ مِنْ بَيْتِ جُودٍ"(*))) أسد الغابة.
((قال محمّد بن عمر: وكان سعد بن عُبادة والمنذر بن عَمرو وأبو دُجانة لما أسلموا يكسرون أصنام بَني سَاعدة.)) الطبقات الكبير.
((كان نقيبًا شهد العقبة وبَدْرًا في قول بعضهم. ولم يذكره ابن عُقْبة ولا ابن إسحاق في البدريّين. وذكره فيهم جماعةٌ غيرهما منهم الواقديّ والمدايني وابن الكلبي‏ّ. وذكره أبو أحمد الحافظ في كتابه في الْكُنَى بعد أن نَسب أباه وأمه، فقال‏:‏ شهد بدرًا مع النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ويقال‏:‏ لم يشهد بَدْرًا)) الاستيعاب في معرفة الأصحاب. ((كان يتهيّأ للخروج إلى بدر ويأتي دورَ الأنصار يحضّهم على الخروج فنُهِش قبل أن يخرج فأقام، فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "لئن كان سعد لم يشهدها لقد كان عليها حريصًا"(*). وروى بعضهم أنّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ضرب له بسهمه وأجره وليس ذلك بمُجْمع عليه ولا ثبت ولم يذكُرْه أحدٌ ممّن يروي المغازي في تسمية من شهد بدرًا، ولكنّه قد شهد أُحُدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم.)) الطبقات الكبير. ((قال أبو عمر: وإليهما أرسل رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم يوم الخندق يشاورهما فيما أراد أن يُعطيه يومئذ عُيينة بن حصن من تمر المدينة، وذلك أنه اراد أن يعطيه يومئذ ثلث أثمار المدينة، لينصرف بمن معه من غطفان، ويخذل الأحزاب، فأبى عُيينة إلا أن يأخذ نصف التمر، فأرسل رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة دون سائر الأنصار؛ لأنهما كانا سيّديْ قومهما؛ كان سَعْدُ بن معاذ سيدًا لأوّسِ، وسعد بن عُبادة سيّدًا لخرزج، فشاورهما في ذلك، فقالا‏:‏ يا رسول الله؛ إن كنت أمَرْتَ بشيء فافعله وامْض له، وإن كان غَيْر ذلك فوالله لا نعطيهم إلا السّيف‏.‏ فقال رسولُ الله: ‏"لِم أَومَر بِشَيْءٍ، وَلَوْ أُمِرْتُ بِشَيْءٍ مَا شَاوَرْتُكُمَا، وَإِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ أَعْرِضُهُ عَلَيْكُمَا‏"‏‏ فقالا:‏ والله يا رسول الله ما طمعوا بذلك منّا قطّ في الجاهليّة، فكيف اليوم؟ وقد هدانا الله بك وأكرمنا وأعزّنا.‏ والله لا نعطيهم إلا السَّيف. فسُرّ بذلك رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم ودعا لهما، وقال لعيينة بن حصن ومن معه:‏ "ارجعوا فليس بيننا وبنيكم إلا السّيف"، ورفع بها صوته‏.(*))) الاستيعاب في معرفة الأصحاب.
((كان سعد في الجاهليّة يكتب بالعربيّة، وكانت الكتابة في العرب قليلًا، وكان يُحْسنُ العوم والرمي وكان مَنْ أَحْسَنَ ذلك سُمّي الكامل. وكان سعد ابن عبادة وعدّة آباء له قبله في الجاهليّة يُنادى على أُطُمهم: من أحَبّ الشّحْمَ واللّحْمَ فليأتِ أُطُمَ دُلَيم بن حارثة. أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أُسامة قال: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه قال: أدركت سعد بن عُبادة وهو يُنادي على أُطُمه: من أحبّ شَحْمًا أو لحمًا فليأت سعد بن عبادة. ثمّ أدركتُ ابنَه مثل ذلك يدعو به، ولقد كنتُ أمشي في طريق المدينة وأنا شابّ فمرّ عليّ عبد الله بن عمر منطلقًا إلى أرضه بالعالية فقال: يا فتى تَعالَ انظر هل ترى على أطم سعد بن عبادة أحدًا ينادي؟ فنظرتُ فقلتُ: لا، فقال: صدقتَ.)) ((كان سعد لما قدم رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، يبعث إليه في كلّ يومٍ جَفْنَةً فيها ثَريد بلحم أو ثريد بلبن أو ثريد بخَلّ وزيت أو بسمن، وأكثر ذلك اللحمُ، فكانت جفنة سعد تدور مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، في بيوت أزواجه)) ((روى أبو يعلى، من حديث جابر، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "جَزَى اللهُ عَنّا الأنْصَار خَيْرًا لا سِيّما عَبداللهِ بْنُ عَمْرو بن حرام، وَسَعْد بْن عُبَادَة"(*). وروى ابْنُ أَبي الدّنيا من طريق ابن سيرين، قال: كان أهل الصفَّة إذا أمسوا انطلق الرجل بالواحد، والرجل بالاثنين، والرجل بالجماعة، فأما سعد فكان ينطلق بثمانين. وَرَوَى [[الدَّارقُطْنيّ في "كتاب الأسخياء"]]، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان منادي سعد ينادي على أطمة: مَنْ كان يريد شحمًا ولحمًا فليأت سعدًا. وكان سعد يقول: اللهم هَبْ لي مجدًا، لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم إنه لا يصلحنى القليل ولا أصلح عليه. وعن محمد بن سيرين: كان سعد بن عبادة يعشّى كل ليلة ثمانين من أهل الصّفة.)) الإصابة في تمييز الصحابة. ((كان غيورًا شديد الغيرة، وإِياه أراد رسول الله بقوله: "إِن سعدًا لغيور، وإِني لأَغْيَرُ من سعد، واللهُ أَغير منا، وغيرة الله أَن تؤْتى محارمه"(*)أخرجه البخاري في الصحيح 7/ 45، 8/ 215 بنحوه ومسلم في الصحيح 2/ 1135 كتاب اللعان (19) حديث رقم (16/ 1498)وذكره السيوطي في الدر المنثور 5/ 24 والهيثمي في الزوائد 4/ 330.. وفي هذا الحديث قصة.)) أسد الغابة. ((كان عقبيًا نقيبًا سيِّدًا جَوَادً. ‏قال أبو عمر‏: كان سيدًا في الأنصار مقدَّمًا وجيهًا، له رياسة وسيادة، يعترف قومُه له بها‏. يقال‏: إنه لم يكن في الأوس والخزرج أربعة مطعمون متتالون في بيت واحد إلا قيس بن سعد بن عُبادة بن دُليم، ولا كان مثل ذلك في سائر العرب أيضًا إلا ما ذكرنا عن صفوان ابن أُميّة في بابه من كتابنا هذا. أخبرنا عبد الرّحمن إِجازة، حدّثنا ابن الأعرابيّ، حدّثنا ابن أبي الدّنيا، حدّثني محمد ابن صالح القُرشيّ، حدثنا محمد بن عمر، حدّثني عبد الله بن نافع، عن أبيه نافع، قال‏: مرَّ ابن عمر على أطم سعد، فقال لي:‏ يا نافع، هذا أطم جدّه، لقد كان مناديه ينادي يومًا في كل حَوْل، مَنْ أراد الشّحم واللّحم فَليأتِ دَارَ دُليم، فمات دُليم، فنادى منادي عبادة بمثل ذلك؛ ثم مات عبادة، فنادى منادي سعد بمثل ذلك، ثم قد رأيت قيس بن سعد يفعل ذلك، وكان قيس جوادًا من أجوادِ النّاس‏. وبه، عن محمد بن صالح، قال‏:‏ حدّثني عبد الله بن محمد الظّفري، قال:‏ حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عُبادة أن دُليما جَدّهم كان يُهْدِي إلى مناة صنم كل عام عشر بدنات، ثم كان عبادة يُهديها كذلك، ثم كان سعد يهديها كذلك إلى أن أسلم، ثم أهداها قيس إلى الكعبة‏. وبه، عن محمد بن صالح، قال: حدّثني محمد بن عمر الأسلميّ، حدّثني محمد بن يحيى بن سهل، عن أبيه، عن رافع بن خديج، قال‏:‏ أقبل أبو عبيدة ومعه عمر رضي الله عنه‏.‏ فقالا لقيس بن سعْد:‏ عَزَمْنَا عليك ألا تنحر، فلم يلتفت إِلى ذلك ونحر، فبلغ ذلك النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم فقال:‏ "إنه من بيت جُودٍ"‏.(*) وفي سعد بن [[عبادة]] وسعد بن معاذ جاء الخبر المأثور:‏ إن قريشًا سمعوا صائحًا يصيح ليلًا على أَبي قبيس: [الطويل]

فَإِنْ يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبِحْ مُحَمَّدٌ بِمَكَّةَ لَا يَخْشَى خِلَافَ مُخَالِفِ

قال: فظنَّتْ قريش أنهما سعد بن زيد مناة بن تميم وسعد بن هُذَيم، من قضاعة، فلما كان اللّيلة الثّانية سمعوا صوتًا على أَبي قبيس‏: [الطويل]

أَيَا سَعْدَ سَعْدَ الأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِرًا وَيَا سَعْدَ سَعْدَ الخَزْرَجَينِ الغَطـارِفِ

أَجِيبَا إِلِــى دَاعِي الـهُدَي وَتَـمَنَّـيَا عَلَى اللَّهِ فِي الفِرْدَوْسِ مُنْيَةَ عَارِفِ

فَـإِنَّ
ثَـوَابَ الـلَّـهِ لِـلـطَّالِـبِ الـهُدَى جِنـَانٌ مِنَ الـفْـرْدَوْسِ ذَاتُ رَفَارِفِ
قال فقالوا:‏ هذان والله سعد بن معاذ، وسعد بن عُبادة‏.)) الاستيعاب في معرفة الأصحاب. ((أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني مَعْمر ومحمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن ابن عبّاس عن عمر بن الخطّاب أنّ الأنصار حين تَوَفّى الله نبيّه صَلَّى الله عليه وسلم، اجتمعوا في سَقِيفة بني سَاعِدة ومعهم سعد بن عُبادة فتشاورَوا في البيعة له، وبلغ الخبر أبا بكر وعمر، رضي الله عنهما، فخرجا حتى أتياهم ومعهما ناس من المهاجرين، فجرى بينهم وبين الأنصار كلامٌ ومحاورة في بَيْعَة سعد بن عُبادة، فقام خطيب الأنصار فقال: أنا جُذَيلها المحكَّك وعُذيقها المرجَّب، منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. فكثر اللّغط وارتفعت الأصوات فقال عمر: فقلتُ لأبي بكر ابْسُطْ يَدَك، فبسطَ يده فبايعتُه وبايعه المهاجرون وبايعه الأنصار ونَزَوْنا على سعد بن عبادة وكان مُزَمّلًا بين ظَهْرانَيْهم فقلت: ما له؟ فقالوا: وَجِعٌ. قال قائل منهم: قتلتم سعدًا، فقلت، قَتل الله سعدًا، إنّا والله ما وجدنا فيما حَضَرَنا من أمرِنا أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارَقْنا القومَ ولم تكن بَيْعة أن يبايعوا بعدنَا فإمّا أن نُبايعهم على ما لا نرضَى وإمّا أن نُخالفَهُم فيكون فسادًا. أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن صالح عن الزبير بن المنذر بن أبي أُسيد الساعديّ أنّ أبا بكر بعث إلى سعد بن عبادة أن أقْبِلْ فبايِعْ فقد بايع الناس وبايع قومك، فقال: لا والله لا أبايع حتى أُراميكم بما في كِنَانتي وأُقاتلكم بمن تبعني من قومي وعشيرتي. فلمّا جاء الخبر إلى أبي بكر قال بشير بن سعد: يا خليفة رسول الله إنّه قد أبَى ولَجّ وليس بمبايعكم أو يُقْتَلَ ولن يُقْتَلَ حتى يُقْتَلَ معه ولده وعشيرته ولن يُقْتَلوا حتى تُقْتَلَ الخزرج، ولن تُقْتَلَ الخزرج حتى تُقْتَلَ الأوس، فلا تُحَرّكوه فقد استقام لكم الأمر فإنّه ليس بضارِّكم إنّما هو رجل وَحْدَهُ ما تُرِك. فقبل أبو بكر نصيحة بشير فترك سعدًا، فلمّا ولي عمر لقيه ذات يومٍ في طريق المدينة فقال: إيه يا سعد! فقال سعد: إيه يا عمر! فقال عمر: أنت صاحب ما أنت صاحبه؟ فقال سعد: نعم أنا ذاك وقد أفْضَى إليك هذا الأمر، كان والله صاحبك أحبّ إلينا منك وقد والله أصبحتُ كارهًا لجوارك. فقال عمر: إنّه من كَرِهَ جوارَ جاره تحوّل عنه، فقال سعد: أما إني غير مُسْتَنسئ بذلك وأنا متحوّل إلى جوار مَن هو خير منك. قال فلم يلبث إلاّ قليلًا حتى خرج مهاجرًا إلى الشأم في أول خلافة عمر بن الخطّاب فمات بحوران.)) الطبقات الكبير.
((روى عنه ابن عباس وغيره، من حديثه أَن النبي صَلَّى الله عليه وسلم قال: "مَا منْ رَجُل تَعَلَّمَ القُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ إِلَّا لَقِيَ اللهَ وَهُوَ أَجْذَمُ، وَمَا مِنْ أَمِيرِ عَشْرَةٍ إِلَّا أَتَى يَوْمَ القِيَامَةِ مَغْلُولًا حَتَّى يُطْلِقَهُ العَدْلُ"(*) أخرجه أحمد في المسند 5/ 323..)) أسد الغابة. ((وروى عنه بنوه: قيس، وسعيد، وإسحاق، وحفيده شرحبيل بن سعيد. وروى عنه من الصّحابة أيضًا ابن عبّاس وأبو أمامة بن سَهْل، وأرسل عنه الحسن وعيسى بن فائِد.)) الإصابة في تمييز الصحابة.
((شهد سعد العَقَبة مع السبعين من الأنصار في روايتهم جميعًا وكان أحد النقباء الاثنى عشر فكان سيّدًا جوادًا)) الطبقات الكبير. ((قَالَ مِقْسَم، عن ابن عباس: كان لرسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في المواطن كلها رايتان، مع علي راية المهاجرين، ومع سعد بن عبادة راية الأنصار(*))) الإصابة في تمييز الصحابة. ((كانت رايةُ رسولِ الله صَلَّى الله عليه وسلم يوم الفتح بيد سَعْد بن عبادة، فلما مرّ بها على أبي سفيان ـــ وكان قد أسلم أبو سفيان ـــ قال سعد إذ نظر إليه:‏ اليوم يوم الملحمة.‏ اليوم تستحل المحرمة. اليوم أذلَّ الله قريشًا. فأقبل رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم في كتيبة الأنصار، حتى إذا حاذَى أبا سفيان ناداه:‏ يا رسول الله، أمرْتَ بقتْل قومك؟ فإِنه زعم سعد ومن معه حين مرَّ بنا أنه قاتلنا. وقال:‏ اليوم يوم الملحمة.‏ اليوم تستحل المحرمة، اليوم أذلّ الله قريشًا. وإني أنشدك الله في قومك، فأنت أبرُّ الناس وأرحَمُهم وأوصلهم. وقال عثمان، وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، والله ما نأمَن من سعد أن تكون منه في قريش صَوْلةٌ. فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: ‏"لَا يَا أَبَا سُفْيَانُ، الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمَ أَعَزَ اللَّهُ قُرَيْشًا‏".(*)

وقال ضرار بن الخطاب الفهري يومئذ: [الخفيف]

يَـا نَــبِـيَّ الهُدَى إِلــَيـْكَ لَـجَا جَـيُّ قُـريـشٍ وَلَـاتَ حَـيْـنَ لَجَـاءِ

حِينَ ضَاقَتْ عَـلَيهِمُ سَعَةُ الأرْ ضِ
وَعَادَاهُمُ
إِلَهُ
الــسَّمَاءِ

وَالْتَقَتْ حَلْقَتَا البِطَانِ عَلَى القَوْ مِ وَنُـودُوا بِــالصَّــيْـلَـمِ الصَّـلـعَـاءِ

إِنَّ سَعْدًا يُرِيدُ قَاصِمَـةَ الـظَّــهْـــ ــرِ بِـأَهْلِ الـحَجُونِ وَالـبَـطْـحَاءِ

خَـزْرَجِـيُّ لَـوْ يَسْتَطِيـعُ مِنَ الغَيْـــ ــظِ رَمَانَـا بِــالــنِّـسـرِ
وَالـعَوَّاءِ

وَغِرُ الـصَّدْرِ لَـا يَـهِمُّ بِـشَـيْءٍ غَيْرِ سَفْكِ الدِّمَا وَسَبْيِ النِّسَاءِ

قَدْ تَلَظَّى عَلَى البِطَاحِ وَجَاءَتْ عَـنْـهُ هِـنْـدٌ بِـالـسَّوْءَةِ
الـسَّوآءِ

إِذْ تُنَادِى بِذُلِّ حَيِّ
قُرَيـشٍ وَابْنُ حَـرْبِ بِذَا مِنَ الشُّهَدَاءِ

فَلِئِـنْ
أَقْحَمَ
اللِّـوَاءَ وَنـــَادَى يَـا حُمَاةَ
اللِّـوَاءِ أَهَلَ
اللِّـوَاءِ

ثُـمَّ ثَـابَتْ إِلَيهِ مَـنْ بِهِمُ الخَـزْ رَجُ
وَالأَوْسُ
أَنْجُمُ
الـهَيْجَـاءِ

لَتَـكُـونَــنَّ
بِـالبِطـَاحِ
قُـرَيـشٌ فَقْعَةَ الـقَـاعِ فِـي أَكُــفِّ الإِمَاءِ

فَانْهِيْنَهُ
فَإِنـَّهُ
أَسَدُ
الأُسْـ ـدِ لَدَى الغَابِ وَالِــغٌ فِي الدِّمَاءِ

إِنَّـهُ مُطْـرِقٌّ يُرِيـدُ
لَنَا
الأَمْـ ـرَ سُكُـوتًـا
كَـالحَيَّةِ
الصَّمَّـاءِ
فأرسل رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة، فنزع اللَّواء من يده، وجعله بيد قيس ابنه، ورأى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أن اللواء لم يخرج عنه؛ إذ صار إلى ابنه، وأبى سعد أَن يسلّم اللّواء إلا بأمارةٍ من رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فأرسل إليه رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم بعمامته، فعرفها سعد‏. فدفع اللّواء إِلى ابنه قيس، هكذا ذكر يحيى بن سعيد الأمويّ في السيّر، ولم يذكر ابن إسحاق هذا الشّعر ولا ساق هذا الخبر‏. وقد رُوي أن رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم أعطى الرّاية الزَّبير، إذ نزعها من سعد. ورُوي أيضًا أنّ رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم أمر عليًا فأخذ الرّاية، فذهب بها حتى دخل مكّة، فغرزها عند الركن))
((تخلّف سعد بن عبادة عن بَيْعَة أبي بكر رضي الله عنه، وخرج من المدينة، ولم ينصرف إليها إلى أَنْ مات بحوران من أرض الشّام لسنتين ونصف مضَتا من خلافة عمر رضي الله عنه وذلك سنة خمس عشرة. وقيل سنة أربع عشرة‏. وقيل‏: ‏بل مات سعد ابن عبادة في خلافة أبي بكر سنة إحدى عشرة‏. ولم يختلفوا أنه وُجد ميتًا في مغتسله)) الاستيعاب في معرفة الأصحاب. ((خرج مهاجرًا إلى الشأم في أول خلافة عمر بن الخطّاب فمات بحوران. أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا يحيى بن عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عُبادة عن أبيه قال: تُوفّي سعد بن عبادة بحَوْران من أرض الشأم لسَنَتَين ونصف من خلافة عمر. قال محمّد بن عمر: كأنّه مات سنة خمس عشرة. قال عبد العزيز: فما عُلِم بموته بالمدينة حتى سمع غلمان في بئر منبه أو بئر سكن وهم يقتحمون نصف النهار في حَرّ شديد قائلًا يقول من البئر‏:

قد قَتَلْن اسيّدَ الخَزْ رَجِ سعدَ بن عُبادَهْ

وَرَمَيْناهُ
بسَهْمَيـ ـنِ فَلَمْ
نُخْطِ فؤادهْ
فذُعر الغلمان فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعد فإنّما جلس يبول في نَفَقٍ فاقتُتل فمات من ساعته، ووجدوه قد اخضرّ جِلدْه. أخبرنا يزيد بن هارون عن سعيد بن أبي عروبة قال: سمعتُ محمّد بن سيرين يحدّث أنّ سعد بن عبادة بال قائمًا فلمّا رجع قال لأصحابه: إني لأجِد دَبيبًا. فمات فسمعوا الجنّ تقول:

قد قَتَلْنا سيّدَ الخَزْ رَج سعدَ بن عُبادهْ

وَ رَمَيْنـَاهُ
بسَهْمَيـْ ــنِ فلم نُخْطِ فـُؤادهْ)) الطبقات الكبير. ((مات بحوران: سنة خمس عشرة، وقيل سنة ست عشرة.)) ((قيل: إن قبره بالمَنِيحة ــ قرية بدمشق بالغوطة(*). وعن سعيد بن عبد العزيز أنه مات ببصرى، وهي أول مدينة فُتحت من الشّام.)) الإصابة في تمييز الصحابة.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال