تسجيل الدخول


طلحة بن عبيد الله التيمي

طَلْحَة بن عُبَيْد اللّه بن عُثْمان القُرَشي التَّيْمِي:
كنيته أبو محمد. وأمّه الصّعبَةُ بنتُ عبد الله بن عِماد الحضرميّ، يعرف أبوها عبد الله بالحضرميّ، ويقال لها: بنت الحضرميّ، وهي أخت العلاء بن الحَضْرمي؛ وأمّها عاتكة بنت وهب بن عبد، وكان وهب بن عبد صاحب الرّفادة دون قريش كلّها. وكان لطلحة من الولد: محمّدٌ وهو السَّجَّاد وبه كان يكنى؛ قُتل يوم الجَمَل مع أبيه، وعِمران بن طَلحة؛ وأمّهما حَمْنة بنت جَحْش بن رئاب؛ وأمّها أُميمة بنت عبد المطّلب بن هاشم، وموسى بن طلحة؛ وأمّه خَوْلة بنت القَعْقاع بن مَعْبَد، وكان يقال للقَعْقَاع: تَيّار الفُرات من سَخائه، ويعقوب بن طلحة؛ وكان جَوادًا قُتل يوم الحَرّة، وإسماعيل، وإسحاق؛ وأمّهم أُمّ أبان بنت عُتْبة بن ربيعة، وزكريّاءُ، ويوسف، وعائشة؛ وأمّهم أمّ كلثوم بنت أبي بكر الصّدّيق، وعيسى، ويحيَى؛ وأمّهما سُعْدى بنت عوف بن خارجة المُرّي، وأمّ إسحاق بنت طلحة؛ تزوّجها الحسن بن عليّ بن أبي طالب، فولدت له طلحة ثمّ توفي عنها، فخلف عليها الحسين بن عليّ، فولدت له فاطمة؛ وأمّها الجَرْباءُ؛ وهي أمّ الحارث بنت قسامة بن حنظلة بن وهب من طيء، والصعبة بنت طلحة؛ وأمّها أمّ ولد، ومريم ابنة طلحة؛ وأمّها أمّ ولد، وصالح بن طلحة؛ مات ولم يترك نسلًا؛ وأمّه الفَرْعة بنت عليّ سَبيّة من بني تغلب. وقال ابُن السَّكَنِ: يقال: إن طلحة تزوَّج أربعَ نسوةٍ عند النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم أخْتُ كل منهن: أم كلثوم بنت أبي بكر أخت عائشة، وحَمْنة بنت جحش أخت زينب، والفارعة بنت أبي سفيان أخت أم حبيبة، ورقيّة بنت أبي أمية أخت أم سلمة.
وقال الوَاقِدِيُّ: كان طلحة بن عبيد الله آدم كثير الشعر، ليس بالجعْد ولا بالسبْطِ، حسن الوجه، دقيق العِرْنين ــ وهو أوَّل الأنْفِ تحت مُجْتَمَع الحَاجِبَين ــ إذا مشى أسرع، وكان لا يغير شَيْبَه. وقال موسى بن طلحة: كان طلحة أبيض يَضْرِبُ إلى الحمرة مربوعًا إلى القِصَر أقرب، رَحْب الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم القدمين، إذا التفت التفت جميعًا. وقال أبو جعفر: كان طلحة بن عُبيد الله يَلْبَسُ المعصفرات. وروى أسلم مولى عمر أنّ عمر رأى على طلحة بن عُبيد الله ثوبين مصبوغين بمِشْق وهو مُحْرِم، فقال: ما بال هذين الثوبين يا طلحَ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنّما صبغناه بمَدرٍ ــ قِطَعُ الطينِ اليابِسِ ــ فقال عمر: إنّكم أيّها الرّهط أَئِمَّة يَقتَدِي بكم الناسُ ولو أنّ جاهلًا رأى عليك ثوبيك هذين لقال: قد كان طلحة يلبس الثياب المصبّغة وهو مُحْرِم. وإنّ أحسنَ ما يلبس المُحرِمُ البياضُ، فلا تلبسوا على النّاس.
وطلحة أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام؛ وقال إبراهيم بن محمّد بن طلحة: قال طلحة بن عُبيد الله: حضرتُ سوقَ بُصْرى؛ فإذا راهبٌ في صومعته يقول: سَلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحدٌ من أهل الحَرَم؟ قال طلحة: فقلتُ: نعم أنا، فقال: هل ظَهَرَ أحْمَدُ بعدُ؟ قال قلتُ: ومَنْ أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطّلب، هذا شهره الذي يخرج فيه وهو آخر الأنبياء ومخرجه من الحرم، ومُهاجَرُه إلى نَخْلٍ وحَرّةٍ وسِباخٍ، فإيّاكَ أنْ تُسْبَقَ إليه، قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجتُ سريعًا حتّى قدمتُ مكّة فقلتُ: هل كان مِنْ حَدَثٍ؟ قالوا: نعم محمّد بن عبد الله الأمين تنبّأ وقد تبعه ابن أبي قُحافة، قال فخرجتُ حتّى دخلتُ على أبي بكر فقلت: أتَبِعْتَ هذا الرّجل؟ قال: نعم، فانطلِقْ إليه فادخُلْ عليه فاتْبَعْه؛ فإنّه يدعو إلى الحقّ. فأخبَرَه طلحة بما قال الرّاهب، فخرج أبو بكر بطلحة، فدخل به على رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فأسْلَم طلحة وأخبر رسول الله بما قال الرّاهب، فسُرّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بذلك، فلمّا أسلَم أبو بكر وطلحة بن عُبيد الله أخذهما نَوفل بن خُويلد بن العَدَويّة فشَدّهما في حبلٍ واحدٍ ولم يمنعهما بنو تيم، وكان نَوفل بن خُويلد يُدْعى أسدَ قريش فلذلك سمّي أبو بكر وطلحة القَرينَين(*). وقيل: إِن الذي قرنهما عثمان بن عُبَيد اللّه أَخو طلحة، فشدهما ليمنعهما عن الصلاة، وعن دينهما، فلم يجيباه، فلم يَرُعْهما إِلا وهما مطلقان يصليان.
ولما أَسلم طلحةُ والزبير آخى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بَيْنَهُما بمكة قبل الهجرة، فلما هاجر المسلمون إِلى المدينة آخى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بين طلحةَ وبين أَبي أَيُّوب الأَنصاري. وقيل: لما قدم طلحة المدينة آخَى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بينه وبين كعب بن مالك حين آخى بين المهاجرين والأنصار(*). وروى عبد الله بن سعد عن أبيه؛ قال: لمّا ارتحلَ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم من الخرّار في هجرته إلى المدينة، فكان الغد لقيه طلحة بن عُبيد الله عائدًا من الشأم في عير، فكَسَا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم وأبا بكر من ثياب الشأم، وخبّر رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أنّ مَنْ بالمدينة من المسلمين قد استبطئوا رسول الله، فعَجّلَ رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم السّيرَ ومضى طلحةُ إلى مكّة حتّى فرغ من حاجته ثمّ خرج بعد ذلك مع آل أبي بكر فهو الّذي قَدِمَ بهم المدينة(*). وقال عبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم: لمّا هاجر طلحة بن عُبيد الله إلى المدينة نزل على أسعد بن زُرارة. وروى موسى بن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ عن أبيه قال: آخى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بين طلحة بن عُبيد الله وسعيد بن زَيد بن عمرو بن نُفيل(*). وقال عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: جعل رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم لطلحة موضع داره(*).
ولم يشهد طلحة بدرًا لأن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم لمَّا تحيّن فُصول عِيرِ قُريش من الشأم بعث طلحة بن عُبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل قبل خروجه من المدينة بعشر ليالٍ يتحسّبان خبر العير فخرجا حتّى بلغا الحوراء، فلم يزالا مقيمين هناك حتّى مَرّت بهما العِير، وبلغ رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم الخبر قبل رجوع طلحة وسعيد إليه، فنَدَبَ أصحابه وخرج يريد العير، فساحلت العير وأسرعت وساروا اللّيل والنّهار فَرَقًا من الطلب، وخرج طلحة بن عُبيد الله وسعيد بن زيد يريدان المدينة؛ ليُخبرا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم خبر العير ولم يَعْلَما بخروجه، فَقَدِمَا المدينة في اليوم الذي لاقى فيه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم النّفير من قريش ببدر، فخرجا من المدينة يعترضان رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فلقياه بتُربان فيما بين مَلَلٍ والسّيالة على المحجّة مُنْصَرِفًا من بدر، فلم يشهد طلحة وسعيد الوقعة، فضرب لهما رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بسهامهما وأجورهما في بدر فكانا كَمَنْ شَهِدَها(*). وفي رواية: أن طلحة كلم رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في سَهْمه، فقال: "لَكَ سَهْمُكَ"، قَالَ: وَأَجْرِي؟ قَالَ: "وَأَجْرُكَ". فقيل: كان في الشام تاجرًا، وقيل: بل أَرسله رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم ومعه سعيد بن زيد إِلى طريق الشام يَتَجَسسان الأَخبار، ثم رجعا إِلى المدينة، وهذا أَصح، ولولا ذلك لم يطلب سهمه وأَجره. وشهد طلحة أُحُدًا مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم وكان فيمن ثَبَتَ معه يومئذ حين ولّى النّاس، وبايعه على الموت، ورَمى مالك بن زُهير يوم أُحُدٍ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فاتّقى طلحة بيده عن وجه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فأصاب خنصره فََشَلّت، فقال حين أصابته الرّمية: حَسِّ، فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "لو قال بسم الله لَدَخَلَ الجنَّةَ"(*). وفي رواية: فقال: حِسَ حس، فقال النبي صَلَّى الله عليه وسلم: "لو قلتَ: بسم الله لرأيت بناءك الذي بَنَى الله لكَ في الجنّة وأنتَ في الدنيا" والنّاس ينظرون.(*).أورده المتقي الهندي في كنز العمال حديث رقم 30073وكان طلحة قد أصابته يومئذٍ في رأسه المصلّبة، ضَرَبهُ رجلٌ من المشركين ضَرْبَتَينِ: ضَرْبَةً وهو مقبل وضربة وهو مُعْرِض عنه، فكان قد نُزِفَ منها الدمُ، وكان ضرار بن الخطّاب الفهري يقول: أنا والله ضربتُه يومئذٍ. وشهد طلحة الخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم. وقال عامر الشعبيّ: أُصيب أنفُ النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم ورَباعيّتُه يوم أُحُدٍ، وإنّ طلحة بن عُبيد الله وَقَى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بيده، فضُربت، فشَلّتْ إصْبَعه(*). وقال قيس بن أبي حازم: رأيتُ يدَ طلحة شلاّء وقَى بها رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يوم أحُد(*). وروت عائشة، وأمّ إسحاق ابنتي طلحة قالتا: جُرح أبونا يوم أُحُد أربعًا وعشرين جراحة، وقع منها في رأسه شَجّةٌ مربّعة وقُطِعَ نَساه ــ يعني عِرْق النَّسَا ــ وشَلّت إصبعه، وسائر الجراح في سائر جسده، وقد غلبه الغَشيُ ورسول الله صَلَّى الله عليه وسلم مكسورة رباعيّتاه مشجوج في وجهه، قد عَلاَه الغشي وطلحة محتمله يَرْجِعُ به القَهْقَرى، كُلّما أدركه أحدٌ من المشركين قاتَلَ دونه حتّى أسنده إلى الشِّعْب(*). وقالت عائشة أمّ المؤمنين: حدّثني أبو بكر قال: كنتُ في أوّل من فاءَ إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يوم أُحُد، فقال لنا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "عليكم صاحبكم"، يريد طلحة، وقد نُزِفَ فلم ينظر إليه، وأقبلنا على النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم(*). وقال موسى بن طلحة: رجع طلحة يومئذٍ بخمسٍ وسبعين أو سبعٍ وثلاثين ضربةً رُبّعَ فيها جبينه وقُطعَ نَساه وشَلّت إصبعه التي تلي الإبهام. وقال الزُّبير: سمعتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "أوْجَبَ طلحة"(*).
وقالت عائشة: إني لفي بيتي ورسول الله صَلَّى الله عليه وسلم وأصحابه بالفِناء وبيني وبينهم السّترُ إذ أقبل طلحة بن عُبيد الله فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "مَنْ سَرّه أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة"(*). وقال جابر بن عبد اللّه: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْهِ، فَلْيَنْظُرَ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ" (*).أخرجه الترمذي في السنن 5/ 602 كتاب المناقب باب مناقب طلحة بن عبيد الله (22) حديث رقم 3739 وقال أبو عيسى هذا حديث غريب.. وقال موسى بن طلحة: دخلتُ على معاوية فقال: ألا أبَشّرُكَ؟ قال: قلت: بَلَى، قال: سمعتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "طلحة ممّن قضى نحبه"(*). وقال أبو إسحاق: بعث رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم سريّةً تسعة وأَتمّهم عشرة بطلحة بن عُبيد الله وقال: "شعاركم عشرة"(*). ويروى أنْ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم نهض يوم أُحد ليصعدَ صخرة، وكان ظاهر بين دِرْعين فلم يستطع النّهوض، فاحتمله طلحة بن عُبيد الله، فأنهضه حتى استوى عليها، فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "أَوْجَبَ طَلْحَةُ"(*).
وقال محمد بن إبراهيم بن الحارث: مر رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم في غزوة ذي قَرَد على ماءٍ يقال له: بَيْسان مالح، فقال: هو نَعْمَان، وهو طيب، فغيَّر اسْمَه فاشتراه طلحة ثم تصدّق به؛ فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "مَا أنْتَ يا طَلُحة إلا فَيَّاضٌ"(*). أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال حديث رقم 33370 فبذلك قيل له طلحة الفياض.
وروى موسى بن طلحة، عن أَبيه طلحة، قال: سماني رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يوم أَحد طلحة الخَيْرِ، ويوم العُسْرة طلحة الفَيَّاض، ويوم حنين طلحة الجُود. وقال سفيان بن عُيينة: كانت غلّة طلحة بن عُبيد الله ألفًا وافيًا. وقال طلحة بن يحيَى: حدّثتني جدّتي سُعدى بنت عوف المُريّّة: دخلتُ على طلحة ذات يوم فقلت: ما لي أراك أرابك شيءٌ من أهلك فنُعْتِبَ؟ قال: نِعْم حليلةُ المرءِ أنت ولكن عندي مال قد أهَمنّي أو غَمّني، قالت: اقْسِمْه. فدعا جاريته فقال: ادخلي على قومي. فأخَذَ يَقْسِمُهُ فسألتها: كم كان المال؟ فقالت: أربعمائة ألف. وروى الحسن أنّ طلحة بن عُبيد الله باع أرضًا له من عثمان بن عفّان بسبعمائة ألف فحملها إليه فلمّا جاء بها قال: إنّ رجلًا تبيتُ هذه عنده في بيته لا يدري ما يَطْرُقُه من أمر الله لَغَريِر بالله، فبات ورُسُلُه مختلف بها في سِكَكِ المدينة حتّى أسْحَرَ وما عنده منها درهم. وقال قَبيصة بن جابر: ما رأيت أحدًا أعطى لِجزيل مالٍ من غير مسألة من طلحة بن عُبيد الله. وقال ابن أبي حازم: سمعتُ طلحة بن عُبيد الله يقول ــ وكان يُعَدّ من حُلماء قريش: إنّ أقلّ العيب على الرجل جلوسُه في داره. وقال موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه قال: كان طلحة بن عُبيد الله يُغِلّ بالعراق ما بين أربعمائة ألفٍ إلى خمسمائة ألف، ويُغِلّ بالسراة عشرة آلاف دينار أو أقلّ أو أكثر، وبالأعراض له غلاّتٌ، وكان لا يدَعُ أحدًا من بني تَيْم عائلًا إلاّ كفاه مؤونته ومؤونة عياله وزوّج أياماهم وأخْدَمَ عائلهم وقضى دين غارمهم، ولقد كان يُرسل إلى عائشة إذا جاءت غلّته كلّ سنة بعشرة آلاف، ولقد قضى عن صُبيحة التيميّ ثلاثين ألف درهم. وقال السائب بن يزيد: صَحِبْتُ طلحة بن عُبيد الله في السفر والحضر فلم أَخْبُرْ أحدًا أعَمّ سخاءً على الدّرهم والثوب والطعام من طلحة. وقال موسى بن طلحة أنّ معاوية سأله: كم ترك أبو محمّد، يرحمه الله، من العين؟ قال: ترك ألفي ألف درهم ومائتي ألف درهم ومائتي ألف دينار، وكان ماله قد اغتيل كان يُغِلّ كلّ سنة من العراق مائة ألف سوى غلاّته من السراة وغيرها، ولقد كان يُدْخِلُ قُوتَ أهله بالمدينة سَنَتَهم من مزرعة بقناة كان يَزْرَعُ على عشرين ناضحًا وأوّلُ من زرع القمح بقناة هو، فقال معاوية: عاش حميدًا سخيًّا شريفًا وقُتل فقيرًا، رحمه الله. وقال عمرو بن العاص: حُدّثتُ أنّ طلحة بن عُبيد الله ترك مائة بُهار؛ في كلّ بهار ثلاث قناطر ذهب، وسمعتُ أنّ البُهار جِلْدُ ثور.
وقال علي بن أَبي طالب: سَمِعَتْ أُذني رسولَ الله يقول: "طَلْحَةُ وَالْزَّبِيْرُ جَارَايَ فِي الْجَنَّةِ"(*). أخرجه الترمذي في السنن 5/ 603 كتاب المناقب (50) باب (22) حديث رقم 3741 قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.. وسمع عليّ رضي الله عنه رجلًا ينشده:
فَتًى كَانَ يُدْنِيهِ الغِنَى مِنْ صَدِيقِهِ إِذَا مَا هُوَ اسْتَغْنَى وَيُبْعِدُهُ الفَقْرُ
فقال: ذلك أبو محمد طلحة بن عبيد الله‏.
وطلحة أَحَدُ العشرة المشهود لهم بالجنّة، وأحد الستّة الذين جعل عمر فيهم الشّورى، وأخبر أنّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم توفي وهو عنهم راضٍ. وروى سعيد بن المسيب أَن رجلًا كان يَقَع في علي وطلحة والزبير، فجعل سعد بن مالك ينهاه، ويقول: لا تقع في إِخواني، فأَبى، فقام سعد، فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إِن كان مُسْخِطًا لك فيما يقول فأَرني فيه آفة، واجعله للناس آية، فخرج الرجل فإِذا هو ببخْتيّ يشق الناس، فأَخذه بالبلاط، فوضعه بين كرْكرَته والبلاط، فسحقه حتى قتله، فأَنا رأَيت الناس يَتْبَعون سعدًا ويقولون: هنيئًا لك أَبا إِسحاق، أُجيبت دعوتك.
وروى طلحة عن النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، وروى عن أبي بكر، وعمر، وروى عنه بَنُوه: يحيى، وموسى، وعيسى بنو طلحة، وقيس بن أبي حازم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والأحنف، ومالك بن أبي عامر، وغيرهم.
وقال يحيى بن سعيد: قال طلحة يوم الجمل‏:
نَدِمْتُ نَدَامَةَ الكَسْعِيِّ لَمَّا شَرَيتُ رِضَا بَنِي جرْمٍ بِرَغْمِي
وشهد طلحةُ بن عبيد الله يوم الجمل محاربًا لعليّ، فزعم بعضُ أهلِ العلم أنّ عليًا دعاه، فذكّره أشياءَ من سوابقه وفَضْله، فرجع طلحة عن قتاله على نحو ما صنع الزّبير، واعتزل في بعض الصَّفوف فرُمِي بسهم، فقطع من رجله عرق النَّسا، فلم يزل دمه ينزف حتى مات. ويقال: إن السّهم أصاب ثغرة نحره. وقال إسماعيل بن أبي خالد:‏‏ حدّثنا قيس، قال: دفنّاه طلحة على شاطئ الكلأ. فرأى بعضُ أهله أنه أتاه في المنام، فقال: ألا تريحوني من هذا الماء، فإني قد غرقتُ ـــ ثلاث مرات يقولها. قال: فنبشوه فإذا هو أخضر كأنه السّلق؛ فنزعوا عنه الماء، ثم استخرجوه، فإذا ما يلي الأرض من لحيته ووجهه قد أكلته الأرض، فاشتروا له دارًا من دُور آل أبي بكرة بعشرة آلاف فدفنُوه فيها. وقُتل طلحة رضي الله عنه وهو ابن ستين سنة. وقيل: ابن اثنتين وستين سنة. وقيل: ابن أربع وستين سنة يوم الجمل. وكانت وقعة الجمل لعَشْر خلون من جمادى الآخرة، وقيل: في جمادى الأولى سنة ستٍّ وثلاثين. وقيل: كانت سنه يوم قُتل خمسًا وسبعين، وخطأه أبو عمر. وقال الشعبي: لما قُتِل طلحة ورآه عَلِيُّ مقتولًا جعل يمسح التراب عن وجهه، وقال: عَزيزٌ عليَّ، أَبا محمد، أَن أَراك مُجَندّلًا تحت نجوم السماءِ، ثم قال: إِلى الله أَشكو عجرِي وبُجرِي، وترحم عليه، وقال: ليتني متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة، وبكى هو وأَصحابه عليه. وروى محمّد الأنصاريّ عن أبيه قال: جاء رجل يومَ الجمل فقال: ائْذَنوا لقاتل طلحة. قال: فسمعتُ عليًّا يقول: بَشّرْه بالنّار‏. وروى عمران بن موسى بن طلحة عن أبيه قال: كان في يد طلحة خاتم من ذهب فيه ياقوتة حمراء فنزعها وجعل مكانها جِزْعة، فأصيب، رحمه الله، يوم الجمل وهي عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
عنوان الرسالة :
نص الرسالة :
ارسال