تسجيل الدخول


أبو اليقظان عمار بن ياسر العبسي

عمّار بن ياسر بن عامر العنسيّ، وقيل: العبسي المذحجيّ، حليف لبني مخزوم:
يُكْنَى: أبا اليقظان. كان أقدَمَ في الميلاد من رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم. وقال الواقديّ‏: إِنّ ياسرًا والد عَمَّار تزوّج أمَةً لبعض بني مخزوم، فولدت له عمارًا، وذلك أنّ ياسرًا والد عمار قدم مكّة مع أخوين له، أحدهما يقال له: الحارث، والثَّاني: مالك، في طلب أخٍ لهم رابع، فرجع الحارث ومالك إِلى اليمن، وأقام ياسر بمكّة، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله، فزوّجه أبو حذيفة أمَةً له، يقال لها: سميَّة بنت خياطٍ، فَوَلَدت له عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة، فمِنْ هذا هو عمار، مولى لبني مخزوم، وأبوه عُرَني، وللحلف والولاء اللذَيْن بين بني مخزوم، وبين عمار وأبيه ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان؛ حين نال من عمّار غلمانُ عثمان ما نالوا من الضَّرب، حتى انفتق له فَتْق في بطنه، ورغموا، وكسروا ضلعًا من أضلاعه، فاجتمعت بنو مخزوم، وقالوا‏: والله لئن مات؛ لأقَتَلْنا به أحدًا غير عثمان‏، ولم يزل ياسر، وعمّار مع أبي حُذيفة إلى أن مات، وجاء الله بالإسلام، فأسلم ياسر، وسمّية، وعمّار، وكانوا من السابقين إلى الإسلام، وأسلم أخوه عبد الله بن ياسر، وكان لياسر ابنٌ آخر أكبر من عمّار، وعبد الله، يقال له: حُريث، قتلته بنو الدّيل في الجاهلية.
وكانت سميّة من المبايعات الخيّرات الفاضلات رحمها الله، قال ابنُ قتيبة: خلف عليها بَعْدَ ياسر الأزرق، وكان غلامًا رُومِيًّا للحارث بن كلدة، فولدت له سلمة بن الأزرق، فهو أخو عَمّار لأمه، قال ابن عبد البر: وهذا غَلطٌ فاحش من ابن قتيبة، وإنما خلف الأزرق على سُميّة أُم زياد زوجة مولاه الحارث بن كلدة منها، لأنه كان مولَى لهما؛ فسلمة بن الأزرق أخو زياد لأمه، لا أخو عمّار، وليس بين سميّة أُم عمار، وسميَّة أُم زياد نَسَبٌ، ولا سبب؛ وكان عمار، وأمّه سميَّة ممن عُذّب في اللَّهِ، وسمية هي أَوّل من استشهد في سبيل الله، عز وجل، عذبها حيّ من بني المغيرة بن عبد اللّه بن عمر على الإِسلام، وهي تأْبى غيره، حتى وجأها أبو جهل بَحْرَبةٍ في قُبُلها فقتلها، وماتت قبل الهجرة رضي الله عنها، وكان رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم مَرَّ بعمار، وأُمه، وأَبيه، وهم يعذبون بالأَبطح في رَمْضاءِ مكة، فيقول: "صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، مَوْعِدُكُمُ الْجَنَّةُ"(*).
وصفت لؤلؤة مولاة أم الحكم بنت عمّار عمّارًا، فقالت: كان رجُلًا آدَمَ، طُوالًا، مضطربًا، أشْهَلَ العينين، بعيدَ ما بين المنكبين، وكان لا يُغيّرُ شيبه، وقيل: كان أَصلع في مقدم رأْسه شعرات. قال عمار: لقيت صُهَيب بن سِنَان على باب دار الأَرقم، ورسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فيها، فقلت: ما تريد؟ فقال: وما تريد أَنت؟ فقلت: أَردت أَن أَدخل على محمد، وأَسمع كلامه، فقال: وأَنا أَريد ذلك، فدخلنا عليه، فعَرَض علينا الإِسلام، فأَسلمنا، وكان إِسلامهم بعد بضعة وثلاثين رجلًا، وقال عمار: رأَيت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم وما معه إِلا خمسة أَعبُد، وامرأَتان وأَبو بكر(*)، وقال مجاهد: أَوّل من أَظهر إِسلامه سبعة: رسول الله، وأَبو بكر، وبلال، وخَبّاب، وصهيب، وعَمَّار، وأُمّه سمية(*).
وعمار من المهاجرين الأولين، واختلف في هجرته إِلى الحبشة، قيل: هاجر عمّار بن ياسر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية. وروى عمر بن عثمان، عن أبيه قال: لمّا هاجر عمّار بن ياسر من مكّة إلى المدينة نزل على مُبَشّر بن عبد المنذر، وقال عبد الله بن جعفر: آخى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بين عمّار بن ياسر، وحُذيفة بن اليَمان(*)، وقال: إنْ لم يَكُنْ حُذيفة شَهِدَ بدرًا فإنّ إسلامه كان قديمًا، وقال عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: أقْطَعَ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم عمّار بن ياسر موضع داره(*).
وشهد عمّار بن ياسر بدرًا، وأُحُدًا، والخندق، والمشاهد كلّها مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، قال عمّار بن ياسر: قد قاتلتُ مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم الإنسَ والجِنّ، فقيل له: هذا قاتلتَ الإنسَ، فكيف قاتلتَ الجنّ؟ قال: نزلنا مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم منزلًا، فأخذتُ قِرْبتي ودَلْوي لأستَقي فقال لي رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "أما إنّه سيَأتيك آتٍ يَمْنَعُك من الماء"، فلمّا كنتُ على رأس البئر إذا رجلٌ أسود كأنّه مَرِسٌ فقال: لا والله لا تَستَقي اليومَ منها ذَنوبًا واحدًا، فأخذته وأخذني؛ فصَرَعْتُه، ثمّ أخذتُ حجرًا، فكسرتُ به أنفه ووجهه، ثمّ مَلأتُ قِرْبَتي، فأتَيْتُ بها رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فقال: "هل أتاك على الماء من أحد؟" فقلت: عَبدٌ أسود، فقال: "ما صنعتَ به؟" فأخبرته، قال: "أتدري مَن هو؟" قلتُ: لا، قال: "ذاك الشّيطان، جاءَ يمنعك من الماءِ"(*). قال ابن عمر: رأيتُ عمّار بن ياسر يوم اليَمامة على صَخْرة وقد أشرف يَصيح: يا معشرَ المسلمين، أمِنَ الجنّة تَفِرّونَ؟ أنا عمّار بن ياسر، هلُمّوا إليّ! وأنا أنْظُرُ إلى أُذنِه قد قُطَعتْ فهي تَذَبْذَبُ وهو يقاتل أشدّ القتال. وقال طارق بن شهاب: غزا أهل البصرة ماه، وعليهم رجل من عُطارد التميمي، فأمَدّه أهل الكوفة وعليهم عمّار بن ياسر، فقال الذي من آل عُطارد لعمّار بن ياسر: أَيها العبد الأَجدع أتريد أن تشاركنا في غنائمنا؟ فقال عمّار: خيرَ أُذنيّ سببتَ؛ قال شعبة: ويعني: أنّها أصيبت مع النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، فكُتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر: إنّما الغنيمة لِمنْ شهِدَ الوقعة، قال شعبة: لم ندْرِ أنّها أُصيبت باليمامة، قال ابن الأثير: وهذا وهم من شعبة، والصواب أَنها أُصيبت يوم اليمامة. وصحب عمار عليًّا ــ رضي الله عنهما ــ وشهد معه الجمل، وصفين، فأَبلى فيهما.
قال عروة بن الزُّبير: كان عمّار بن ياسر من المستضعفين الذين يعذَّبون بمكّة ليرجع عن دينه، قال محمّد بن عمر: والمستضعفون قوم لا عشائر لهم بمكّة، وليست لهم مِنعة ولا قوّة، فكانت قريش تعذّبهم في الرَّمْضَاءِ بأنْصاف النّهار؛ ليرجعوا عن دينهم، وكان عمّار بن ياسر يعذَّب حتّى لا يدري ما يقول، وكان صّهيب يعذَّب حتى لا يدري ما يقول، وكان أبو فكيهة يعذَّب حتى لا يدري ما يقول، وبلال، وعامر بن فُهيرة، وقوم من المسلمين، وفيهم نزلت هذه الآية: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [سورة النحل:41]. وقال محمّد بن كعب القُرَظيّ: أخبرني من رأى عمّار بن ياسر متجرّدًا في سراويل قال: فنظرتُ إلى ظهره فيه حَبَطٌ كثير، فقلت: ما هذا؟ قال: هذا ممّا كانت تعذّبني به قريش في رمضاء مكّة. قال عمرو بن ميمون: أحرق المشركون عمّار بن ياسر بالنّار، فكان رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يَمُرّ به، ويُمِرّ يده على رأسه فيقول:"يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا على عمار كما كنت على إبراهيم، تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغيَة"(*). قال عثمان بن عفّان: أقبلتُ أنا ورسول الله صَلَّى الله عليه وسلم آخذٌ بيدي نَتَماشى في البطحاء حتّى أتينا على أبي عمّار، وعمّار، وأمّه وهم يُعَذَّبون، فقال ياسر: الدّهْرُ هَكَذا، فقال له النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم: "اصْبِرْ، اللّهّم اغْفِرْ لآلِ ياسر وقد فَعَلْتَ"(*)، ومر النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم بآل عمّار وهم يعذَّبون فقال لهم: "أبْشِروا آلَ عمّار فإنّ مَوْعِدَكم الجنّة"(*). قال سعيد بن جبير لابن عباس: أَكان المشركون يبلغون من المسلمين في العذاب ما يُعذَرون به في ترك دينهم؟ فقال: نعم، والله إِن كانوا لَيَضْرِبون أَحدهم، ويُجيعونه، ويُعطِّشونه حتى ما يقدر على أَن يستوي جالسًا، من شدة الضر الذي به حتى إِنه ليعطيهم ما سأَلوه من الفتنة، وحتى يقولوا له: اللات والعُزَّى إِلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إِن الجمل ليمر بهم، فيقولون له: هذا الجمل إِلهك من دون الله فيقول: نعم، اقتداءً لما يبلغون من جَهْده، ولقي النّبيُ صَلَّى الله عليه وسلم عمّارًا، وهو يبكي فجعل يمسح عن عينيه وهو يقول: "أخَذَكَ الكُفّارُ فَغَطّوك في الماء فقلت كذا وكذا، فإن عادوا فقل ذاك لهم"(*)، وفي رواية: أخذ المشركون عمّار بن ياسر فلم يتركوه حتّى نال من رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وذَكَرَ آلهتهم بخير، فلمّا أتَى النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "ما وَراءَكَ؟" قال: شَرّ يا رسول الله، والله ما تُركْتُ حتّى نلْتُ منك، وذكرتُ آلهتَهم بخير، قال: "فكيف تجِدُ قلبَك؟" قال: مُطْمَئِنّ بالإيمان، قال: "فإنْ عادوا فعُد"(*). وروى أبو عُبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر في قوله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} [سورة النحل:106]، قال: ذلك عمّار بن ياسر، وفي قوله: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًًا} [سورة النحل:106]، قال: ذلك عبدُ الله بن أبي سَرْح، وقال عبد الله بن عُبيد بن عُمير: نزل في عمّار بن ياسر إذ كان يعذَّب في الله قوله: {وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [سورة العنكبوت:2]. وروى أبو صالح عن ابن عبّاس في قوله:{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ} [سورة الزمر:9]، قال: نزلت في عمّار بن ياسر. قال حذيفة بن اليمان: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "اقْتَدُوا بِالْلَّذِينَ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَاهْتَدُوا بِهُدَى عَمَّارٍ، وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ" أخرجه الترمذي في السنن 5 / 569 كتاب المناقب (50) باب في مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كليهما حديث رقم 3662 وابن ماجة في السنن 1 / 37 في المقدمة باب (11) في فضائل أصحاب النبي فضل أبي بكر الصديق حديث رقم 97، و أحمد في المسند 5 / 382، 385 وابن حبان في صحيحه حديث رقم 2193، و البيهقي في السنن 5 / 12، 8 / 153 والحاكم في المستدرك 3 / 75.. كان بين خالد بن الوليد، وبين عمار كلام، فأَغلظ له في القول، فانطلق عمار يشكوه إِلى النبي صَلَّى الله عليه وسلم، فَجَاءَ خَالِدٌ وَهُوَ يَشْكُوهُ إِلَى الْنَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ خالد يُغْلِظُ لَهُ، وَلاَ يَزِيدُهُ إِلاَّ غِلْظَةً، وَالْنَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وسلم سَاكِتٌ لاَ يَتَكَلَّمُ، فَبَكَى عَمَّارٌ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَلاَ تَرَاهُ! فَرَفَعَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم رَأْسَهُ وَقَالَ: "مَنْ عَادَى عَمَّارًا عَادَاهُ الله، وَمَنْ أَبْغَضَ عَمَّارًا أَبْغَضَهُ الله"، قال خَالِدٌ: فَخَرَجْتُ فَمَا كَانَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رِضَا عَمَّاٍر، فَلَقِيْتُهُ فَرَضِيَ، فما زلْتُ أحِبُّه من يومئذ. قال علي: جاءَ عمار يستأذن على النبي صَلَّى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "ائْذَنُوا لَهُ، مَرْحَبُا بِالْطَيِّبِ الْمُطَيَّبِ" أخرجه أحمد في المسند 1 / 130 وابن ماجة في السنن 1 / 52 في المقدمة باب فضل عمار بن ياسر حديث رقم 146، والترمذي في السنن 5 / 626 كتاب المناقب باب مناقب عمار بن ياسر حديث رقم 3798.. وقالت عائشة: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "مَا خُيِّرَ عَمّارٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَرْشَدَهُمَا"أخرجه الترمذي في السنن 5 / 627 كتاب المناقب (50) باب مناقب عمار بن ياسر (35) حديث رقم 3799 وابن ماجة 1 / 52 المقدمة باب فضل عمار بن ياسر حديث رقم 148.، وقالت أيضًا: ما مِنْ أصحاب محمد صَلَّى الله عليه وسلم أشاءُ أن أقول فيه إلا عمار بن ياسر، فإني سمعْتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "‏إِنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ حُشِيَ مَا بَيْن أَخْمُصِ قَدَميْهِ إِلَى شَحْمَة أُذُنَيْهِ إِيَمَانًا"‏‏(*) ذكره بلفظ مقارب أبو نعيم في الحلية 1/ 139، وذكره الهندي في كنز العمال حديث رقم 33540، 33541.. وروى أنس عن النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم أنه قال: "‏اشْتَاقَتِ الْجَنَّةُ إِلَى عَليًّ، وَعَمَّارٍ، وَسَلْمَانَ، وَبِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ‏"‏‏(*)أخرجه الحاكم 3 / 137، وأبو نعيم في الحلية 1/ 190، وذكره الهندي في كنز العمال حديث رقم 33672.. وقال إبراهيم بن سعد: بلغنا أنَّ عمار بن ياسر قال:‏ كنت تِرْبًا لرسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في سنّه لم يكن أحد أقرب به سنًّا مني. وروى قابوس بن أبي ظبيان، عن ابن عبّاس في قول الله عزّ وجل: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [‏الأنعام 122]، قال: عمار بن ياسر، و‏{‏كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا}‏ [الأنعام 122‏]‏ قال: أبو جهل بن هشام‏. وصَلّى عمار إلى القبلتين. وقال مُطَرّف: دخلتُ على رجلٍ بالكوفة وإذا رَجلٌ قاعد إلى جنبه، وخيّاطٌ يخيط إمّا قطيفة سَمّور أو ثعالب، قلت: ألَم تَرَ ما صَنَعَ عليّ؟ صَنَعَ كذا، وصنع كذا، فقال: يا فاسق، ألا أراك تذكر أمير المؤمنين! فقال صاحبي: مَهْلًا يا أبا اليَقْظان، فإنّه ضيفي، قال: فعرفتُ أنّه عمّار، وقال مطرّف: رأيتُ عمّار بن ياسر يقطع على لحاف ثعالب ثوبًا، وسئل عمّار عن مسألة فقال: هَلْ كان هذا بعدُ؟ قالوا: لا، قال: فدَعونا حتّى يكون فإذا كان تجشّمناها لكم. وروى مغيرة عن إبراهيم: أنّ عمّارًا كان يَقْرَأ كلّ يوم جمعة على المنبر بياسين. وقال الحكم بن عتيبة: قدم رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم المدينة أَوّل ما قدمها ضُحّى، فقال عمار: ما لرسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بُدٌّ من أَن نجعل له مكانًا إِذا استظل من قائلته ليستظل فيه، ويصلي فيه، فجمع حجارة، فبنى مسجد قُبَاء، فهو أَوّل مسجد بُني وعَمَّار بناه، ولمّا بنى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم مسجده جَعَلَ القومُ يحملون لَبِنَةً لبنة، وجعل النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم يحمل هو وعمّار، فجعل عمّار يحمل لبنتَيْن لبنتين ويرتجز ويقول‏:‏
نَحْنُ المُسْلمونَ نَبْتَني المَساجِدا
وجعل رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "المساجدا"، ويَنفُضُ النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم الترابَ عن رأسه ويقول: "ويحك ابن سُميّة تقتلك الفئة الباغية". وأتى النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، فقيل له: إنّ عمّارًا وقع عليه حائطٌ فمات، قال: "ما مات عمّارٌ"(*). وقد كان عمّار اشتكى قبل ذلك فقال بعضُ القوم: لَيَموتَنّ عَمّارٌ اليومَ، فسمعهم رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فنفضَ لَبِنَتَه وقال:"وَيْحَكَ"، ولم يَقُلْ وَيْلَكَ،"يا ابنَ سُمَيّة تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغية"(*). قالت أمّ سلمى: سمعتُ النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "تَقْتُلُ عمّارًا الفِئَةُ الباغية"، قال عوف: ولا أحْسَبُهُ إلاّ قال: "وقاتِلُهُ في النّار"(*).
روى عمار عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم عدة أحاديث، وروى عنه من الصحابة أبو موسى، وابن عباس، وعبد الله بن جعفر، وأبو لاس الخُزَاعي، وعلي بن طالب، وجابر، وأَبو أمامة، وأَبو الطفيل، وغيرهم من الصحابة، وروى عنه من التابعين: ابنه محمد بن عمار، وابن المسيب، وأَبو بكر بن عبد الرحمن، ومحمد بن الحنفية، وأَبو وائل، وعلقمة، وزِرّ بن حُبَيش، وغيرهم. وروى عمار بن ياسر: أَنَّ الْنَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم أَمَرَهُ بِالْتَّيَمُّمِ، لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ(*) أخرجه الترمذي في السنن 1 / 268 كتاب الطهارة باب ما جاء في التيمم حديث رقم 144 وأبو داود في السنن 1 / 141 كتاب الطهارة باب التيمم حديث رقم 323، 324، و الدارمي في السنن 1 / 190 وأحمد في المسند 4 / 263 والبيهقي في السنن 1 / 210.. وكان عمّار بن ياسر من أطول الناس سكوتًا، وأقلّه كلامًا، وكان يقول: عائذٌ بالله من فِتْنَةٍ، عائذ بالله من فتنة، ثمّ عرضت له بعدُ فِتْنَةٌ عظيمة.
واستعمله عمر بن الخطاب على الكوفة؛ فقال حارثة بن مضرّب: قُرِئ علينا كتاب عمر بن الخطّاب: أمّا بعد فإني بعثتُ إليكم عمّار بن ياسر أميرًا، وابن مسعود معلّمًا ووزيرًا، وقد جعلتُ ابن مسعود على بيت مالكم، وإنّهما لمن النّجباء من أصحاب محمّد من أهل بَدْرٍ، فاسمعوا لهما، وأطيعوا، واقْتدوا بهما، وقد آثرتُكم بابن أمّ عبدٍ على نفسي، وبعثْتُ عُثمان بن حُنيف على السواد، ورزقتهم كلّ يوم شاةً فأجعَلُ شطرَها وبطنَها لعمّار، والشطر الباقي بين هؤلاء الثلاثة. وفي رواية: أنّ عمر رَزَقَ عمّارًا، وابن مسعود، وعثمان بن حنيف شاةً، لعمّار شطرُها وبطنها، ولعبد الله ربعها، ولعثمان ربعها كلّ يومٍ. قال ابن أبي الهُذيل: رأيت عمّار بن ياسر اشترى قتًّا بدرهم، فاسْتَزَاد حَبْلًا فأبَى فجابذه حتّى قاسمه نصفين، وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة. قال الحارث بن سُويد: وشى رجلٌ بعمّار إلى عمر، فبلغ ذلك عمّارًا، فرفع يديه، فقال: اللّهُمّ إنْ كان كَذَبَ عليّ فابْسُطْ له في الدّنْيا، واجْعَلْهُ مُوَطّأ العَقبِ، وقال عمر لعمّار: أساءَك عَزْلُنا إيّاك؟ قال: لَئِنْ قلتَ ذاك لقد ساءَني حين استعملتني، وساءني حين عَزَلتني.
قال عبد الله بن الحارث: إنّني لأسيرُ مع معاوية في مُنْصَرَفه عن صِفّين بينه وبين عمرو بن العاص، فقال عبد الله بن عمرو: يا أبَت سمعتَ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول لعَمّار: "ويحك يا ابن سميّة، تقتلك الفئة الباغية؟" فقال عمرو لمعاوية: ألا تَسْمَعُ ما يقول هذا؟ قال: فقال معاوية: ما تَزالُ تأتينا بهَنَةٍ تَدْحَضُ بها في بَوْلِك، أنَحْنُ قتلناه؟ إنّما قتله الذين جاءوا به(*). وقال حَنْظلة بن خُويلد العَنَزيّ: بينا نحن عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمّار، يقول كلّ واحد منهما أنا قتلتُه، فقال عبد الله بن عمرو: ليَطبْ به أحدُكما نفسًا لصاحبه، فإنّي سمعتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "تقتله الفئة الباغية"، فقال معاوية: ألا تُغْني عنّا مَجْنُونَك يا عَمرو، فما بالك مَعَنا؟ قال: إنّ أبي شكاني إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فقال: "أطِعْ أباكَ حَيًّا ولا تعصه"، فأنا معكم، ولستُ أقاتلُ(*). قال هُنيّ، مولى عمر بن الخطّاب: كنتُ أول شيءٍ مع معاوية على عليّ فكان أصحاب معاوية يقولون: لا والله لا نقتل عمّارًا أبدًا، إنْ قتلناه فنحن كما يقولون، فلمّا كان يوم صفّين ذهبتُ أنْظُرُ في القتلى فإذا عمّار بن ياسر مقتول فقال هُنيّ: فجئتُ إلى عمرو بن العاص وهو على سريره فقلت: أبا عبد الله، قال: ما تشاء؟ قلتُ: انْظُرْ أكلّمْكَ، فقامَ إليّ، فقلت: عمّار بن ياسر ما سمعتَ فيه؟ فقال: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "تقتله الفئة الباغية"، فقلت: هو ذا والله مقتولٌ، فقال: هذا باطل، فقلت: بَصُرَ به عيني مقتولٌ، قال: فانْطَلِقْ فَأرِنِيه، فذهبتُ فأوقفته عليه فساعةَ رآه انتُقع لونه، ثمّ أعرض في شقّ، وقال: إنّما قَتَلَه الذي خَرَجَ به(*). قال عمّار بن ياسر، وهو يسير إلى صفّين على شطّ الفرات: اللّهمّ إنّهُ لَوْ أعْلَمُ أنّه أرضى لك عني أنْ أرمي بنفسي من هذا الجبل فأتَرَدّى فأسْقُطَ فعلتُ، ولو أعلمُ أنّه أرضى لك عني أنْ أوقد نارًا عظيمة فأقعَ فيها فعلتُ، اللّهُمّ لو أعلم أنّه أرضى لك عنّي أنْ ألقيَ نفسي في الماء فأُغْرِقَ نفسي فعلتُ، فإني لا أُقاتل إلاّ أريد وَجهك، وأنا أرجو ألا تُخَيّبَني، وأنا أريدُ وَجْهَكَ، وكان يوم صفّين شيخًا، آدم في يده الحَرْبَةُ، وإنّها لَتَرْعَدُ، فنظر إلى عمرو بن العاص ومعه الرّاية، فقال وقد كادت الشمس أن تغرب: من رائحٌ إلى الله، الجَنّة تحتَ البارقة، الظّمْآنُ قد يَرِدُ الماءَ الماءُ مَوْرُودٌ، اليومَ ألْقَى الأحِبّةَ محمّدًا وحِزْبه، ولله لو ضربونا حتى يُبلّغونا سعفات هَجَرَ لعلمتُ أنّا على حقّ، وأنّهم على باطل، واللهِ لقد قاتلتُ بهذه الرّاية ثلاث مرّات مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وما هذه المرّة بأبَرّهنّ ولا أتْقَاهُنّ، وأُتى عمّار يومئذ بلَبَنٍ فضحك، فكان وجوبُ الشمس أن يُفْطِرَ، فقال حين وَجَبَت الشمس وشَرِبَ: قال لي رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "إنّ آخِرَ شَرابٍ تشربُه لَبَنٌ حتّى تموت"(*)، وشهِدَ خُزيمة بن ثابت صفّين، وقال: أنا لا أصلُ أبدًا حتّى يُقتَل عمّارٌ، فأنْظُرَ مَن يَقْتلُه؛ فإنّي سمعتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "تقتُلُهُ الفئَةُ الباغية"، فلمّا قُتل عمّار بن ياسر قال خُزيمة: قد بانت لي الضّلالة، واقترب، فقاتل حتّى قُتل، وكان الّذي قتل عمّار بن ياسر أبو غادية المُزَني، طعنه برمح فسقط، وكان يومئذ يقاتل في محَفَّة، وكانت سِنُّ عمّار يوم قتل نيفًا على تسعين، فقيل: قُتل وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وقيل: اثنتين وتسعين سنة، وقيل:‏ ثلاثًا وتسعين‏، وقيل: قُتل وهو ابن أربع وتسعين سنة، فلمّا وقع أكبّ عليه رجلٌ آخر فاحتزّ رأسه، فأقبلا يختصمان فيه، كلاهما يقول: أنا قتلتُه، فقال عمرو بن العاص: والله إنْ يختصمان إلاّ في النّار، فسمعها منه معاوية، فلمّا انصرف الرجلان قال معاوية لعمرو بن العاص: ما رأيتُ مثلَ ما صنعتَ، قومٌ بَذَلوا أنْفُسَهم دونَنَا تَقولُ لهما: إنّكما تختصمان في النّار، فقال عمرو: هو والله ذاك، والله إنّك لَتَعْلَمُه وَلَوَدِدْتُ أنّي مِتّ قبل هذه بعشرين سنة.
وقيل: أقْبَلَ إليه ثلاثَةُ نفر في صفين: عُقبة بن عامر الجُهَنيّ، وعمر بن الحارث الخولانيّ، وشَريك بن سَلَمَة المراديّ، فانْتَهَوْا إليه جميعًا وهو يقول: والله لو ضربتمونا حتّى تَبْلُغوا بنا سَعَفَاتِ هَجَرَ لعلمتُ أنّا على حَقّ وأنْتُم على باطل، فحَمَلوا عليه جميعًا فقتلوه، وزعم بعض النّاس أنّ عقبة بن عامر هو الذي قتل عمّارًا، وهو الّذي كان ضَرَبه حين أمَرَه عثمان بن عفّان، وقيل: بل الّذي قتله عمر بن الحارث الخولانيّ.
وروى ربيعة بن كلثوم بن جَبْر، عن أبيه، قال: كنْتُ بواسِطِ القَصَبِ عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فقلتُ: الإذْنَ، هذا أبو غادية الجُهني، فقال عبد الأعلى: أدْخِلوه، فَدَخَلَ عليه مُقَطّعاتٌ لَهُ، فإذا رجلٌ طُوال ضَرْبٌ من الرجال كأَنّه ليس من هذه الأمّة، فلمّا أن قعد قال: بايعتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، قلتُ: بيَمينك؟ قال: نعم، وخَطَبَنا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فقال: "يا أيها النّاس ألا إنّ دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم إلى أن تَلْقَوْا ربّكم كحُرْمَةِ يَوْمكم هذا في شهركم هذا في بَلَدِكم هذا، ألا هَلْ بَلّغْتُ؟" فقلنا: نعم، فقال: "اللّهُمّ اشْهَدْ"، ثمّ قال: "ألا لا تَرْجعوا بعدي كُفّارًا يَضْرِبُ بعضكم رِقابَ بعض"، ثمّ أتْبَعَ ذا فقال: إنّا كُنّا نَعُدّ عمّار بن ياسر فينا حَنانًا، فبينا أنا في مسجد قُباءَ إذ هو يقول: ألا إنّ نَعْثَلًا هذا لعثمان، فألْتَفِتُ فلو أجِدُ عليه أعْوانًا لَوَطِئْتُه حتّى أقْتُله، فقلت: اللّهُمّ إنّك إنْ تَشأ تُمَكّنّي من عمّار، فلمّا كان يوم صفّين أقبل يستنّ أوّلَ الكتيبة رجلًا حتّى إذا كان بين الصفّين فأبْصَرَ رجلٌ عَوْرَةً فطعنه في ركبته بالرمح، فعثر فانكشف المِغْفَرُ عنْه، فضربتُه فإذا رأس عمّار، فلم أرَ رجلًا أبْيَنَ ضَلالَةً عندي منه، إنّه سمع من النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم ما سمع ثمّ قَتَلَ عَمّارًا(*)، واستسقى أبو غادية فأُتي بماء في زُجاجٍ فأبَى أن يشرب فيها، فأُتيَ بماءٍ في قَدَحٍ فَشَرب، فقال رجلٌ على رأس الأمير قائمٌ بالنّبطيّة: أوى يد كفتا يَتَوَرّعُ عن الشراب في زجاج، ولم يتورّع عن قتل عمّار. وقال عمرو بن العاص: سمعتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "إنّ قاتله وسالبه في النّار"، فقيل لعمرو بن العاص: هو ذا أنت تُقاتله، فقال: إنّما قال:" قاتله وسالبه"(*). وقال محمّد بن عمر وغيره: لمّا استلحم القتالُ بصفّين، وكادوا يتفانَوْنَ، قال معاوية: هذا يومٌ تفانى فيه العرب إلا أنْ تُدركهم فيه خِفّةُ العَبْدِ ــ يعني: عمّار بن ياسر، وكان القتال الشديد ثلاثةَ أيّام ولياليَهنّ، آخرُهن ليلةُ الهَرير، فلمّا كان اليومُ الثالث قال عمّار لهاشم بن عتبة بن أبي وقّاص ومعه اللّواءُ يومئذٍ: احْمِلْ فِدَاكَ أبي وأمّي! فقال هاشم: يا عمّار رحمك الله إنّك رجلٌ تَسْتَخِفّكَ الحَرْبُ، وإني إنّما أزحفُ باللّواء زَحفًا رَجاءَ أن أبلغَ بذلك ما أريد، وإني إن خَفَفْتُ لم آمَنِ الهَلَكَةَ، فَلَمْ يَزَلْ به حتّى حَمَلَ فَنَهَضَ عمّار في كتيبته فنهض إليه ذو الكلاع في كتيبته، فاقتتلوا فقُتلا جميعًا واستُؤصِلت الكتيبتان، وَحَمَلَ على عمّار حُوَيّ السّكْسَكِيّ، وأبو الغادية المُزَنيّ وقَتَلاه، فقيل لأبي الغادية: كيْفَ قَتَلْتَه؟ قال: لمّا دَلَفَ إلينا في كتيبته ودلفنا إليه، نادى هل من مُبارزٍ، فَبَرَزَ إليه رجلٌ من السكاسك، فاضطربا بسيفيهما فقَتَلَ عمّارٌ السّكسكيَّ، ثمّ نادى مَنْ يُبارِز، فَبَرَزَ إليه رجُل من حِمْيَرَ فاضطربا بسيفيهما فقتل عمّار الحميريَّ وأثْخَنَه الحميريّ، ونادى مَنْ يُبارِزُ، فبرزتُ إليه فاختلفنا ضَرْبَتَيْن، وقد كانت يده ضَعُفَتْ فأنْتَحى عليه بضربة أُخرى فسقط فضربتُه بسيفي حتّى بَرَدَ، ونادى النّاسُ: قتلتَ أبا اليَقْظان قَتَلَك الله! فقلت: اذْهَبْ إليكَ فوالله ما أُبالي من كنتَ، وبالله ما أعرفُه يومئذٍ، فقال له محمّد بن المنْتَشِر: يا أبا الغادية خَصْمُك يوم القيامة مازُنْدَرُ ـــ يعني: ضخمًا، قال فضحك، وكان أبو الغادية شيخًا كبيرًا جسيمًا أدْلَمَ، وقال عليّ حين قُتل عمّار: إنّ امْرأ من المسلمين لم يَعْظَمْ عليه قَتُل ابن ياسر وتَدْخُل به عليه المصيبةُ الموجعةُ لَغيرُ رَشيدٍ، رَحِمَ اللهُ عمّارًا يومَ أسْلَمَ، ورحم الله عمّارًا يومَ قُتِلَ، ورحم الله عمّارًا يومَ يُبْعَثُ حيًّا، لقد رأيتُ عمّارًا وما يُُذْكَرُ من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أربعةٌ إلاّ كان رابعًا، ولا خمسةٌ إلاّ كان خامسًا، وما كان أحدٌ من قدماء أصحاب رسول الله يشكّ أنّ عمّارًا قد وَجَبَتْ له الجنّة في غير موطن ولا اثنين، فهَنيئًا لعمّار بالجنّة، ولقد قيل: إنّ عمّارًا مع الحقّ والحقّ معه، يَدورُ عمّار مع الحقّ أينما دار، وقاتلُ عمّار في النّار.
قال عمّار: ادْفنوني في ثيابي، لا تَغْسِلوا عني دمًا، ولا تَحْثوا عليّ تُرابًا؛ فإني مخاصم. وروى أشعث بن سَوّار، عن أبي إسحاق: أنّ عليًّا صلّى على عمّار بن ياسر، وهاشم بن عتبة ــ رضي الله عنهما، فجعل عمّار ممّا يليه، وهاشمًا أمام ذلك، وكبّر عليهما تكبيرًا واحدًا خمسًا أو ستًّا أو سبعًا؛ والشكّ في ذلك من أشعث. وفي رواية: أنّ عليًّا صلّى على عمّار ولم يَغْسِلْه. وقال حبيب بن أبي ثابت: قُتل عمّار يومَ قتل وهو مُجْتَمعُ العَقْلِ.
قال بلال بن يحيَى العبسيّ: لمّا حضر حُذيفَةَ الموت، وإنّما عاش بعد قتل عثمان أربعين ليلة، فقيل له: يا أبا عبد الله إنّ هذا الرجل قد قُتل ــ يعني: عثمان، فما ترى؟ قال: أمّا إذْ أبَيْتُم فأجْلسوني، فأسْنَدوه إلى صدر رَجُلٍ، ثمّ قال: سمعتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "أبو اليَقْظان على الفِطْرة، أبو اليقظان على الفطرة لن يَدَعَها حتّى يموتَ أو يُنْسِيَه الهَرَمُ"(*)، وقال أبو مسعود، وطائفة لحذيفة حين احتضر وأعيد ذكر الفتنة: إذا اختلف النّاس بمن تأَمرنا؟ قال: عليكم بابن سُمَية، فإنه لن يفارق الحقَّ حتى يموت، أو قال: فإنه يدور مع الحقِّ حيث دار، وبعضهم يرفع هذا الحديث عن حذيفة. قال أبو إسحاق: لمّا قُتل عمّار دخل خُزيمة بن ثابت فسطاطه، وطرح عليه سلاحه، وشَنّ عليه من الماء فاغتسل، ثمّ قاتل حتّى قُتل ــ رحمه الله ــ وقال عمرو بن العاص: إني لأرجو ألا يكونَ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم ماتَ يومَ ماتَ، وهو يُحِبّ رجلًا فيُدْخلَه اللهُ النّارَ، فقالوا: قد كنّا نَراهُ يُحِبّك، وكان يستعملك، فقال: الله أعلمُ أحَبّني أم تألّفَني، ولكنّا كنّا نراه يحبّ رجلًا، قالوا: فمن ذلك الرجلُ؟ قال: عمّار بن ياسر، قالوا: فذاك قتيلُكم يومَ صفّين، قال: قد والله قتلناه(*). قال عمرو بن شُرَحْبيل أبو مَيْسَرَة: رأيتُ ــ يعني في المنام ــ كأنّي أُدْخِلتُ الجنّة فإذا قِبابٌ مضروبة، فقلت: لمن هذه؟ قالوا: لذي الكَلاع وحوشَب، وكانا ممّن قُتل مع معاوية، قلت: فأين عمّار وأصحابه؟ قالوا: أمامك، قلت: وقد قَتَلَ بعضهم بعضًا، قيل: إنّهم لَقوا الله، فوجدوه واسع المَغْفِرَة، قلت: فما فعلَ أهلُ النّهر؟ قيل: لَقُوا برْحا. وفي رواية: رأى أبو ميسرة في المنام روضة خضراء فيها قِبابٌ مضروبة فيها عمّار، وقباب مضروبة فيها ذو الكلاع، قلتُ: كيف هذا، وقد اقتتلوا؟ فقيل لي: وجدوا ربًّا واسع المغفرة.
وكان قتل عمار في ربيع الأَوّل أَو الآخر من سنة سبع وثلاثين، وكانت صِفّين في ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين، ودفنه علي رضي الله عنه في ثيابه ولم يغسله‏، وروى أهلُ الكوفة أنه صلّى عليه، وهو مذهبهم في الشّهداء أنهم لا يغسلون، ولكنهم يصلّى عليهم. وقال أبو عبد الرّحمن السّلميّ‏: شهدنا مع عليّ رضي الله عنه صِفْين، فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحيةٍ، ولا وادٍ من أوديةِ صفّين إلا رأيت أصحابَ محمد صَلَّى الله عليه وسلم يتبعونه، كأَنه عَلمٌ لهم، ثم قال عمار:
نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِِهِ فَاليَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
ضَرْبًا يُزِيلُ الهَامَ عَنْ مَقِيـلِهِ وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَـنْ خَلِيلِـهِ

أَو يَرْجِعُ الحَقُّ إِلَى سَبِيلِهِ
فلم أر أصحاب محمّد صَلَّى الله عليه وسلم قُتِلوا في موطن ما قتِلوا يومئذ. وقال عبد الرّحمن بن أَبْزَى‏: شهدنا مع عليّ رضي الله عنه صِفّين في ثمانمائة ــ ممَنْ بايع بيعة الرّضوان، قُتل منهم ثلاثة وستون، منهم عمار بن ياسر. وقال محمّد بن عمر: والذي أُجْمِعَ عليه في قتل عمّار أنّه قُتل، رحمه الله، مع عليّ بن أبي طالب بصفّين في صفر سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، ودُفن هناك بصفّين، رحمه الله ورضي عنه.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال