تسجيل الدخول


الربيع بن خثيم الثوري من بني ثعلبة بن عامر بن ملكان بن ثور بن عبد...

الرَّبيع، وقيل: ربيع بن خُثيم الثوري من بني ثعلبة.
يُكنى: أبا يزيد. قال أبو يَعْلى: كان في بني ثور ثلاثون رجلًا ما منهم رجل دون ربيع بن خثيم. وقال شُبْرُمة: ما رأيتُ بالكوفة حيًّا أكثر شيخًا، فقيهًا، متعبّدًا من بني ثور. وقال أبو بكر الزّبيدي، عن أبيه: ما رأيتُ حيًّا أكثر جلوسًا في المساجد، من الثوريّين، والعُرَنيين. قال الربيع بن خثيم: لأن أقلّب بيدي شحمَ خنزير أَحَبّ إليّ من أن أقلّب كعبتي النّرْدَشير. وروى الشّعْبيّ أنه قال: دخلنا على ربيع بن خثيم نعوده، قال: فقلنا له: ادْعُ الله لنا، قال: اللهمّ لك الحمد كلّه، وبيدك الخير كلّه، وإليك يرجع الأمر كلّه، وأنت إله الخلق كلّه، نسألك من الخير كلّه، ونعوذ بك من الشرّ كلّه. روى سفيان، عن رجل من بني تيم الله، عن أبيه، قال: جالستُ الربيع بن خثيم سنتين، فما سألني عن شيء ممّا فيه الناس إلاّ أنّه قال لي مرّة: أمّك حيّة؟ كم لكم مسجد؟. وقال الربيع بن خثيم: ما أحِبّ كلّ مناشدة العبدِ رَبَّه يقول: يا ربّ، قد قضيتَ عليك الرحمة، يا ربّ، قد قضيتَ عليك الرّحمة، ما رأيْتُ أحدًا بعدُ يقول: قد قضيتُ ما عليّ، فاقْضِ ما عليك. قال عبد خير: كنتُ رفيقًا للربيع بن خثيم في غزاة، فذكرها، قال: فرجع، ومعه رقيقٌ، ودوابّ، قال: فمكثتُ أيّامًا، ثمّ أتيتُه، فلم أحِسّ من ذاك الرقيق، ولا من تلك الدوابّ شيئًا، قال: فاستأذنتُ، فلم يُجِبني أحد، ثمّ دخلتُ، قال فقلت: أين رقيقك، ودوابّك؟ فلم يجبني، فأعَدْتُ عليه، فقال: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ ِممَّا تُحِبُّونَ}[سورة آل عمران: 92]. وقال الحسن: قيل للربيع بن خثيم، وقد أصابه الفالج: لو تدوايْتَ، فقال: قد مضتْ عادٌ، وثَمودُ، وأصحابُ الرّسّ، وقرونٌ بين ذلك كثير، كان فيهم الواصف، والموصوف له، فما بقي الواصف، ولا الموصوف له إلا قد فَنِي. وقال أبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود: كان الربيع بن خثيم إذا دخل على عبد الله لم يكن عليه يومئذ إذْن لأحد حتى يقضي كلّ واحد منهما من صاحبه حاجتَه، قال: وقال له عبد الله: يا أبا يزيد، لو أنّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم رآك لأحبَك، وما رأيتك إلّا ذكرتُ المُخْبتين. وروى عاصم، أنه قال: كان عبد الله إذا رأى الربيع بن خثيم، قال: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [سورة الحج:34]. وقال أبو عُبيدة: ما رأيتُ أحدًا كان أشَدّ تلطّفًا في العبادة من ربيع بن خثيم. وقال الشّعْبيّ: ما جلس ربيع بن خثيم في مجلسٍ، كان يقول أكرهُ أن أرى شيئا استُشهد عليه، فلا أشهد، أو أرى حاملةً، فلا أعينها، أو أرى مظلومًا، فلا أنصره. وقال عبد الله بن نُمير في حديثه: ما جلس على مجلس، ولا على ظهر طريق مذ تأزّر بإزار، وقال آخر: أو يفتري رجل على رجل فأكلّف عليه الشهادةَ أو لا أغُضّ البصرَ، أو لا أهدي السبيل. قال سعيد بن مرزوق: قلّما كان الربيع بن خثيم يمرّ على المجلس، وفيه بكر بن ماعز إلا قال له: يا بكر بن ماعز، اخزن لسانك إلّا ممّا لك، ولا عليك، إني اتّهمت الناسَ على ديني. ومن أقوال الربيع بن خثيم: يا عبد الله، قُلْ خيرًا، أو اعْمل خيرًا، ودُمْ على صالحة، لا يطولنّ عليك الأمدُ، ولا يَقْسُوَنّ قلبك، وَلا تكوننّ من الذين قالوا: سَمِعْنَا، وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ، يا عبد الله، إن كنت عملتَ خيرًا، فأتْبعْ خيرًا خيرًا، فإنه سيأتي عليك يوم تودّ، لو ازددتَ، وإن كان مضى منك لهم لا محالة، فاعْمل خيرًا، فإنّه يقول: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}[سورة هود:114]، يا عبد الله، ما عَلّمك الله في كتابه من علم، فاحمد الله عليه، وما استؤثر عليك فيه من علم، فكِلْه إلى عالمه، ولا تكلّف، فإنّه يقول: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلّفِيِنَ (86) إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِّلْعَالمَِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حينٍ} [سورة ص: 86 ـــ 88]، يا عبد الله، اعْلَم أنّ العبدَ إذا طالت غيبته، وحانت جيئته، فانتظره أهله، كأن قد جاء، فأكثروا ذكر هذا الموتِ الذي لم تذوقوا قبله مثله، والسرائر السرائر اللّاتي يخفين من الناس، وهنّ لله بَوادٍ، ومن أقواله: أقِلّوا الكلام إلاّ من تسع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتلاوة القرآن، ومسألة الخير، والإستعاذة من الشرّ. ومن أقواله: إّن من الحديث حديثًا له ضوء، كضوء النهار تعرفه، وإنّ من الحديث حديثا له ظلمة كظلمة الليل تُنْكِره. وكان يقول: قولوا خيرًا، وافعلوا خيرًا، ودوموا على صالح ذلك، واستكثروا من الخير، واستقلّوا من الشرّ، لا تقسو قلوبكم ولا يطول عليكم الأمَد {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} [سورة الأنفال:21].
قال إبراهيم: كان الربيع بن خثيم يزور علقمة، وكان في الحيّ جماعة، والطريقُ في المسجد، فدخل المسجدَ نساءٌ، فلم يطرف الربيع حتى خرجن، فقيل له: ما يمنعك أن تدخل على علقمة؟ قال: إنّ بابه مُصْفَق، وأنا أكره أن أوذيه. وقال أبو وائل: أتينا الربيع بن خثيم في داره، فقال رجل: إنّكم لتأتون رجلًا إن حدّثكم لم يكذّبكم، وإن ائتمنتموه لم يخنكم، قال: فدخلنا عليه، فقال: الحمد لله الذي لم تأتوني؛ لأزني، فتزنون معي، ولا لأسرق، فتسرقون معي، ولا لأشرب، فتشربون معي. قال إبراهيم التيمي: أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين عامًا ما سمع منه كلمة تُعاب. وكان الربيع إذا قيل له: كيف أصبحتَ قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا. قال مُنْذِر الثوري: كان إذا أتا الربيع رجل قال: يا عبد الله، أطع الله فيما علمتَ، وما استُؤثر به عليك، فكِلْهُ إلى عالمِهِ؛ لأنا في العَمْد أخْوَفُ عليكم مِني في الخطأ، ما خياركم بخيره، ولكن خير من آخرهم شرّ منهم، ما تبتغون الخير حقّ ابتغائه، ولا تفرون من الشرّ حقّ فراره، ما كلّ ما أُنْزِل على محمّد أدركتم، ولا كلّ ما تقرءون تدرون ما هو، السرائر السرائر اللاتي يخفين على الناس، وهنّ لله بَوادٍ، التمسوا دواءهنّ، ثمّ يقول: وما دواءهنّ؟ أن تتوبَ، ثمّ لا تعود. قيل للربيع بن خثيم: يا أبا يزيد، ألا تذمّ الناس؟ فقال الربيع: والله ما أنا عن نفسي براضٍ، فأذمّ الناس، إنّ الناس خافوا الله على ذنوب الناس، وأمنوه على ذنوبهم. وروى عاصم، أنه قال: قيل للربيع بن خثيم: لو كنتَ تقول البيت من الشعر، فقد كان أصحابك يقولون، قال: إنه ليس شيء يتكلّم به أحد إلا وجده في إمامه، وإني أكره أن أجد في إمامي شعرًا. وروى نُسير بن ذُعْلوق عن الربيع أنّه كان يتهجّد في سواد الليل فمر بهذه الآية: {أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمَّ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون}[سورة الجاثية: 21] فلم يزل يردّدها ليلهُ حتى أصبح. وقال رجل للربيع بن خثيم: أوْصِني، قال: ائْتِني بصحيفة، قال فكتب فيها: {قُلْ تَعَالَوْا أتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى أن بلغ: {لَعَلّكُمْ تَتَّقُون}[سورة الأنعام: 151]، قال: إنمّا أتيتك لتوصيني، قال: عليك بهؤلاء. قال مسلم أبي عبد الله: كان ربيع بن خثيم في المسجد، ورجل خلفه، فلمّا ثاروا إلى الصلاة جعل الرجل يقول له: تقدّمْ، ولا يجد ربيع مساغًا بين يديه، فرفع الرجل يده، فوجأ بها في عنق الربيع، ولا يعرف ربيعًا، فالتفت ربيع إليه، فقال له: رحمك الله، رحمك الله! قال: فأرسل الرجل عينيه، فبكى حين عرف ربيعًا. وسأل رجلُ أبا وائل، أنت أكبر، أو ربيع؟ فقال: أنا أكبر منه سنًّا، وهو أكبر مني عقلًا. وقال منذر: كان يكنس الحشّ بنفسه، فقيل له: إّنك تُكْفَى هذا، قال: إّني أحبّ أن آخذ بنصيبي من المِهْنة. وروى نُسَيْر بن ذُعْلُوق، أنه قال: لم يكن ربيع بن خثيم يتطوّع في المسجد، وكان يؤمّنا وهو متّكيء إلى سارية، وهو يشتكي. وقال الأعمش: إنّ الربيع بن خثيم مرّ بالحدّادين، فنظر إلى الكير، وما فيه فخّر، فمررتُ بالحدّادين، فنظرتُ إلى الكير أريد أن أتشبّه بالربيع بن خثيم، فلم يكن عنده خير. وقال بكر بن ماعز: جاءت ابنة الربيع بن خثيم إليه، فقالت: يا أبه، أذهبُ ألعب؟ فقال: اذْهبي فقولي خيرًا، فلمّا أكثرت عليه، قال له بعض القوم: اتْركها تذهب تلعب، قال: لا أحبّ أنْ يُكْتَبَ عليّ اليومَ أني أمرتُ باللّعب. وروت أمّ الأسود ـــ سُرّيّة كانت للربيع بن خثيم، أنها قالت: كان الربيع يُعْجِبه السّكّر يأكله، قالت: فإذا جاء السائل ناوله، فقلتُ: ما يصنع بالسكّر؟ الخبزُ خير له، فقال: إني سمعتُ الله يقول: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [سورة الإنسان: 8]. وقال منذر الثوري: قال الربيع بن خثيم لأهله: اصْنعوا لنا خَبيصًا، قال: وكان لا يكاد يتشهّى عليهم شيئًا، قال: فصنعوه، قال: وأرسل إلى جار له مصاب كان به خَبْلٌ، فجعل يلقّمه، ولُعابه يسيل، فلمّا خرج قال أهله: تكلّفنا، وصنعنا، ثمّ أطعمتَ هذا؟ ما يدري هذا ما أكل، فقال الربيع: ولكنّ الله يدري. وروى نُسير بن ذُعْلوق، أنه قال: كان الربيع بن خثيم يبكي حتى تبتلّ لحيته من دموعه، ويقول: أدركنا قومًا كنّا في جنوبهم لصوصًا، وقال عَزْرة للربيع بن خثيم: أوْصِ لي بمصحفك، فنظر الربيع إلى ابنه فقال: {وَأُوْلُواْ اْلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللهِ} [سورة الأنفال: 75]. وروى هلال بن يَساف، عن الربيع بن خثيم أنّه كان يقول: اللهمّ لك صُمْتُ، وعلى رزقك أفطرْتُ. وكان الربيع بن خثيم يقاد إلى الصلاة، وبه الفالج، فيقال له: يا أبا يزيد، قد رُخِّص لك، قال: إنّي أسمع حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح، فإن استطعتم أن تأتوها، ولو حَبْوًا. وروى داود العَطّار، أنه قال: أصابَ الربيعَ بن خثيم الفالج، فكان بكر بن ماعز يقوم عليه، ويدهنه، ويفلي رأسه، ويغسله، قال: فبينا هو ذات يوم يغسل رأس الربيع إذ سال لُعاب الربيع، فبكى بكر، فرفع الربيع رأسه إليه، فقال له: ما ُيبْكِيك؟ فوالله ما أحِبّ أنّه بأعْتى أهل الدّيْلَمِ على الله. وروى مُنْذر، عن الربيع بن خثيم أنّه جاءه سائل، فقال: أطْعِمُوه سكّرًا، فقال له أهله: ما يصنع هذا بالسّكّر؟ قال: ولكني أنا أصنع به. وقال الربيع: اتّقوا أن يكذّب الله أحدكم أن يقول: قال الله في كتابه كذا، وكذا، فيقول الله: كذبتَ، لم أقُلْه، ويقول: لم يقل الله في كتابه كذا، وكذا، فيقول: كذبتَ قد قلتُه. وقال الربيع: ما يصنع أحدكم بالكلام بعد تسع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتلاوة القرآن، وسؤال الله الخير، والتعوّذ به من الشرّ؟.
روى الربيع عن عبد الله. قال هُبيرة بن حَزِيمة: لما قُتل الحُسين أتيتُ الربيع بن خثيم، فأخبرته، فقرأ هذه الآية: {الَّلهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَاْلأرْضِ عَالِمَ اْلغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [سورة الزمر: 46]. وروى منذر الثوري، عن الربيع بن خثيم، أنّه أوصى عند موته فقال: هذا ما أقَرّ به الربيع بن خثيم على نفسه، وأشهدَ الله عليه، وكَفى بالله شهيدًا، وجازيًا لعباده الصالحين، ومُثيبًا بأني رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمّد نبيًّا، وبالإسلام دينًا، وإني رضيتُ لنفسي، ومَن أطاعَني بأن أعبده في العابدين، وأحمده في الحامدين، وأن أنصح لجماعة المسلمين. ومات الربيع بن خثيم بالكوفة في ولاية عبيد الله بن زياد عليها.
الاسم :
البريد الالكتروني :
عنوان الرسالة :
نص الرسالة :
ارسال