تسجيل الدخول


بلال بن رباح الحبشي

بلال بن رَبَاح الحبشي، المؤذن، كان بلال مولى أبي بكر الصّديق رضي الله عنه. وكان بلال رضي الله عنه من السابقين إلى الإسلام، قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "بلال سابقُ الحَبَشَة".. وكان ممن يعذب في الله عز وجل فيصبر على العذاب، وكان أبو جهل يَبْطَحُه على وجهه في الشمس، ويضع الرحا عليه حتى تصْهَره الشمس، ويقول: أكفُر برب محمد، فيقول: أحد، أحد؛ فاجتاز به ورقة بن نوفل، وهو يعذب ويقول: أحد، أحد؛ فقال: يا بلال، أحد، أحد، والله لئن مت على هذا لأتخذن قبرك حنانًا. وكان بلال بن رَباح من المستضعفين من المؤمنين، وكان يعذَّب حين أسلم ليرجع عن دينه، فيقولون له: قُلْ كما نقول، فيقول: إنّ لساني لا يُحْسِنه، فما أعطّاهم قطّ كلمة ممّا يريدون، وكان أُمَيّةُ بن خلف الجمحيّ ممن يعذِّب بلالًا، ويُوالي عليه العذاب والمكروه؛ فكان مِنْ قدَر الله تعالى أنْ قَتله بلالٌ يوم بدر. وعن جابر بن عبد الله أنّ عمر كان يقول: أبو بكر سَيّدُنا وأعْتَقَ سَيّدَنا، يعني بلالًا، وعن مجاهد في قوله تعالى: } مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَار ِأَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ{ [سورة ص: 63،62]. وقيل: يقول أبو جهل يوم القيامة: أينَ بلالٌ؟ أين فلان؟ أين فلان؟ كنّا نعُدّهُمْ في الدّنيا من الأشرار، فلا نراهم في النّار، أم هم في مكان لا نراهم فيه؟ أم هم في النّار لا نرى مكانهم؟ وكان أوّلُ من أظهرَ الإسلام سبعة: رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وبلال، وخَبّاب، وصُهيب، وعَمّار، وسُمَيّة أمّ عمّار. فأمّا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فمنعه عمّه، وأمّا أبو بكر فمنعه قومه، وأُخِذَ الآخرون فألبَسوهم أدراع الحديد، ثمّ صَهروهم في الشّمس حتّى بلغ الجهد منهم كل مبلغ، فأعطوْهم ما سألوا، فجاء كلّ رجل منهم قومَه بأنْطاع الأُدْمِ فيها الماءُ فألْقَوهم فيه وحَمَلوا بجوانبه إلاّ بلالًا. فلمّا كان العشيّ جاء أبو جَهْل، فجعل يَشْتُمُ سُمَيّةَ ويَرْفُثُ، ثمّ طعنها فقتلها فهي أوّلُ شهيدٍ استشهد في الإسلام، إلاّ بلالًا فإنّه هانت عليه نفسه في الله حتّى ملّوه، فجعلوا في عنقه حبلًا، ثمّ أمروا صبيانهم أنْ يشتدّوا به بين أخْشَبَيْ مكّة، فجعل بلالٌ يقول: أحَدٌ أحَدٌ.. روى زيد بن أسلم أنّ بني أبي البُكير جاءُوا إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فقالوا: زَوّجْ أخْتَنا فلانًا، فقال لهم: "أْينَ أنْتَمْ عَنْ بِلالٍ؟" ثمّ جاءُوا مَرّةً أُخرى فقالوا: يا رسول الله أنْكِحْ أختنا فلانًا، فقال: "أين أنتم عن بلال؟" ثمّ جاءُوا الثالثة فقالوا: أنكح أختنا فلانًا، فقال: "أين أنتم عن بلال؟ أين أنتم عن رجلٍ من أهل الجنّة؟" قال فأنْكحوه. وقد شهِدَ بلالٌ بدرًا، وأحُدًا، والخندق، والمشاهد كلّها مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم. ويوم فتح مكة أمر رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بلالًا أن يؤذّن يوم الفتح على ظهر الكعبة، فأذّن على ظهرها والحارث بن هشام، وصَفْوان بن أميّة قاعدان، فقال أحدهما للآخر: انْظُرْ إلى هذا الحبَشيّ، فقال الآخر: إنْ يَكْرَهْهُ اللهُ يُغَيّرْه. ولما توفي رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم جاءَ بلال إلى أبي بكر الصّدّيق فقال: له يا خليفة رسول الله إني سمعتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وهو يقول: "أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله"، فقال أبو بكر: فما تشاءُ يا بلال؟ قال: أردتُ أنّ أرابط في سبيل الله حتّى أموت. فقال أبو بكر: أنْشُدُكَ اللهَ يا بلال وحُرْمتي وحَقّي، فقد كبرتُ وضعفتُ واقترب أجَلي. فأقام بلال مع أبي بكر حتّى توفي أبو بكر، فلمّا توفي أبو بكر جاءَ بلال إلى عمر بن الخطّاب فقال له كما قال لأبي بكر، فَرَدّ عليه عمر كما ردّ عليه أبو بكر، فأبَى بلال عليه فقال عمر: فإلى مَنْ ترى أن أجعلَ النّداء؟ فقال: إلى سعد، فإنّه قد أذّن لرسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فدعا عمر سعدًا فجعل الأذان إليه وإلى عَقِبِه من بعده.. وقيل أنه لمّا توفي رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، أذّن بلال ورسول الله صَلَّى الله عليه وسلم لم يُقْبَرْ، فكان إذا قال: أشْهَدُ أنّ محمدًا رسول الله انتحب النّاس في المسجد. فلمّا دُفن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، قال له أبو بكر: أذّنْ فقال: إن كنتَ إنّما أعْتَقْتَني لأن أكون معك فسبيل ذلك، وإن كنتَ أعتقتني لله فخلّني ومَنْ أعتَقتَني له، فقال: ما أعتقتُك إلاّ لله، قال: فإني لا أؤذّنُ لأحدٍ بعد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم قال: فذاك إليك. وقد رأى بلالًا النبي صَلَّى الله عليه وسلم في منامه وهو يقول: "مَا هَذِهِ الجَفْوَةُ يَا بِلَالُ؟ مَا آنَ لَكَ أَنْ تَزُورَنَا"؟ فانتبه حزينًا، فركب إلى المدينة فأتى قبر النبي صَلَّى الله عليه وسلم وجعل يبكي عنده ويتمرغ عليه، فأقبل الحسن والحسين، فجعل يقبلهما ويضمهما، فقالا له: نشتهي أن تؤذن في السحر، فعلا سطح المسجد، فلما قال: "الله أكبر، الله أكبر" ارتجت المدينة، فلما قال: "أشهد أن لا إله إلا الله" زادت رَجَّتُها، فلما قال: "أشهد أن محمدًا رسول الله" خرج النساء من خدورهن، فما رئيَ يوم أكثر باكيًا وباكية من ذلك اليوم. وفاته: تُوُفِّي بلال وهو ابن سبعين سنة، ودفن عند باب الصغير في مقبرة دمشق، وذلك في خلافة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال