تسجيل الدخول

بنود صلح الحديبية وحزن المسلمين بسببها

عرفت قريشٌ حَرَاجَة الموقف، فأسرعت إلى بعثِ سُهيل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدت له أن لا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامَهُ هذا، لا تُحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عَنْوَةً أبدًا، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه عليه السلام قال: "قد سُهِّلَ لكم أمركم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل"، فجاء سهيل فتكلم طويلا، ثم اتفقا على قواعد الصلح، وهي:
الرسول صَلَّى الله عليه وسلم، يرجع هذا العام، فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثا، معهم سلاح الراكب ـــ السيوف فقط ـــ ولا تتعرض قريش لهم بأي نوع من أنواع التعرض.
وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض.
من أحب أن يدخل في عقد محمدٍ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريشٍ وعهدهم دخل فيه، وتُعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءًا من ذلك الفريق، فأيُّ عدوان تتعرض له أيٌّ من هذه القبائل يعتبر عدوانا على ذلك الفريق.
من أتى محمدًا من قريش من غير إذن وَلِيِّه ـــ أي هاربًا منهم ـــ رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد ـــ أي هاربًا منه ـــ لم يرد عليه.
هذه هي حقيقة بنود هذه الهدنة، لكنْ هناك ظاهرتان عَمَّتْ لأجلهما المسلمين كآبةٌ وحزنٌ شديدان، الأولى: أن النبي صَلَّى الله عليه وسلم، كان قد أخبرهم أنهم سيأتون البيت فيطوفون به، فماله يرجع ولم يطفْ به؟ الثانية: أنه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، على الحق، والله وعد بإظهار دينه، فماله قبل ضغط قريش، وأُعْطَى الدَّنِيَّةَ في الصلح؟ كانت هاتان الظاهرتان مَثَار الريب والشكوك والوساوس والظنون.
وصارت مشاعر المسلمين لأجلهما جريحة، بحيث غلب الهم والحزن على التفكير في عواقب بنود الصلح. ولعل أعظمهم حُزنًا كان عمر بن الخطاب، فقد جاء إلى النبي صَلَّى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، ألسنا على حق، وهم على باطل؟ قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "بلى". قال عمر: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال الرسول الكريم: "بلى". قال عمر: ففيم نُعْطَى الدَّنِيَّةَ في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال صَلَّى الله عليه وسلم: "يا ابن الخطاب إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، لن يضيعني أبدًا". قال ابن الخطاب: أو ليس كنت تحدثنا أنَّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال صَلَّى الله عليه وسلم: "بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟". قال عمر بن الخطاب: لا، قال صَلَّى الله عليه وسلم: "فإنك آتيه ومطوف به".
ثم انطلق عمر متغيظًا فأتى أبا بكر، فقال له كما قال لرسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وَرَدَّ عليه أبو بكر، كما رد عليه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم سواءً، وزاد فاستمسك بغَرْزِهِ (أي بأمره) حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق.
ثم نزلت: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} إلى آخره، فأرسل رسول الله إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: نعم، فطابت نفسه ورجع.
ثم نَدِمَ عمر على ما فرط منه ندمًا شديدًا. قال عمر: فعملت لذلك أعمالا، ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرًا.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال