تسجيل الدخول


هشام بن العاصي بن وائل السهمي

كان يكنى أبا العاص، فكناه النبيُّ صَلَّى الله عليه وآله وسلم أبا مطيع. وكان فاضلًا خيّرًا،‏ وأخوه عمرو بن العاص، وسُئل عمرو بن العاص مَنْ أفضل؟ أنت أو أخوك هشام؟ فقال: أحدِّثكم عنّي وعنه: أُمّه بنت هشام بن المغيرة، وأمي سبية، وكانت أحبّ إلى أبيه مني، وتعرفون فراسة الوالد في ولده، واسْتَبَقْنَا إلى الله عزّ وجل فسبقني؛ أمسك عليّ الستر، حتى تطهَّرت، وتحنطت، ثم أمسكت عليه حتى فعل مثْلَ ذلك، ثم عرضنا أنفسنا على الله فقبِلَه وتركني. فكان هشام قديم الإِسلام، أَسلم والنبي صَلَّى الله عليه وسلم بمكة، وهاجر إِلى أَرض الحبشة، ثم قدم إِلى مكة حين بلغه أَن النبي صَلَّى الله عليه وسلم هاجر إِلى المدينة، فحبسه قومه بمكة حتى قدم بعد الخندق، وقيل: إِنما منعه قومه بمكة عن الهجرة إِلى المدينة قبل أَن يهاجر إِليها النبي صَلَّى الله عليه وسلم، وروي عن عمر بن الخطاب قال: لما اجتمعنا للهجرة اتَّعَدْت أَنا وعيَّاش بن أَبي ربيعة وهشام ابن العاص، قلنا: الميعاد بيننا "أَضاةُ بني غفار"، فمن أَصبح منكم لم يأْتها فقد حُبس، فليمض صاحباه، فأَصبحت عندها أَنا وعياش، وحُبِس عنا هشام بن العاص، وفُتِن فافتتن، وقدمنا المدينة، وكنا نقول: "والله ما الله بقابل من هؤلاء توبة! قوم عَرَفوا الله وآمنوا به وصدّقوا رسوله، ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أَصابهم من الدنيا"، وكانوا يقولونه لأَنفسهم، فأَنزل الله تعالى فيهم: }قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ {إِلى قوله}: مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ{، قال عمر: فكتبتها بيدي، ثم بعثت بها إِلى هشام، فقال هشام: فلما قدمت عَلَيَّ خرجت إِلى ذي طُوًى، فجعلت أُصَعِّد فيها وأَصوّب، لأَفهمها، فعرفت أَنها أُنزلت فينا، لما كنا نقول في أَنفسنا ويقال فينا، فجلست على بعيري فلحقت برسول الله صَلَّى الله عليه وسلم. قدم بعد الخندق على النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم المدينةَ فشهد ما بعد ذلك من المشاهد، وبعثه النبي صَلَّى الله عليه وآله وسلم في سَرِية في رمضان قبل الفتح. كان أصغر سنًّا من أخيه عمرو بن العاص، وليس له عَقِب، وروى عفّان بن مسلم، وعمرو بن عاصم الكلابي، عن أبي هُريرة أنّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم قال: "ابنا العاص مؤمنان، هشام وعمرو"، وروي عن ابني العاص أنّهما قالا: ما جلسنا مجلسًا في عهد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، كنّا به أشدّ اغتباطًا من مجلس جلسناه يومًا جئنا فإذا أناس عند حُجَر رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يتراجعون في القرآن، فلمّا رأيناهم اعتزلناهم، ورسول الله صَلَّى الله عليه وسلم خلف الحجر يسمع كلامهم، فخرج علينا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم مُغْضَبًا يُعْرَفُ الغَضَبُ في وجهه حتى وقف عليهم فقال: "أيْ قَوْمُ! بهذا ضَلّت الأممُ قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضَرْبهم الكتاب بَعْضَه ببَعْضٍ، إنّ القُرآن لم يُنْزَلْ لتضربوا بعضَه ببعضٍ، ولكن يُصَدّق بعضُه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به وما تَشابَهَ عليكم فآمِنوا به"، ثمّ التفت إليّ وإلى أخي فغبطنا أنفسنا أن لا يكونَ رآنا معهم. وروي عبد الله بن عبيد الله بن عُمير قال: بينما حلقة من قريش جُلُوس في هذا المكان من المسجد، في دُبُر الكعبة، إذ مرّ عمرو بن العاص يطوف فقال القوم: هشام بن العاص أفضل في أنفسكم أم أخوه عمرو بن العاص؟ فلمّا قضي عمرو طوافَه جاء إلى الحلقة فقام عليهم فقال: ما قلتم حين رأيتموني؟ فقد علمتُ أنكم قلتم شيئًا، فقال القوم: ذكرناك وأخاك هشامًا فقلنا هشام أفضل أو عمرو، فقال: على الخبير سقطتم، سأحَدّثُكم عن ذاك، إني شهدتُ أنا وهشام اليرموك فباتَ وبتّ ندعو الله أن يرزقنا الشهادةَ فلمّا أصبحنا رُزِقها وحُرِمتُها فهل في ذلك ما يبينّ لكم فَضْلَه عليّ؟ ثمّ قال: ما لي أراكم قد نحّيتم هؤلاء الفتيان عن مجلسكم؟ لا تفعلوا أوسعوا لهم وأدْنوهم وحَدّثوهم وأفْهِموهم الحديثَ فإنّهم اليومَ صِغارُ قومٍ ويوشكون أن يكونوا كبارَ قومٍ، وإّنا قد كنّا صِغَار قومٍ ثمّ أصبحنا اليومَ كبارَ قومٍ. وروي أن قال هشام بن العاص يومَ أجْنادين يا معشر المسلمين إنّ هؤلاء القُلْفان لا صَبْرَ لهم على السيف فاصنعوا كما أصْنَعُ، قال فجعل يدخل وَسَطَهم فيقتل النّفَرَ منهم حتى قُتل. وروي عن أمّ بكر بنت المِسْورَ بن مَخْرَمة قالت: كان هشام بن العاص بن وائل رجلًا صالحًا، لما كان يوم أجنادين رأى من المسلمين بعض النكوصِ عن عدوّهم فألقى المِغْفَر عن وجهه، وجعل يتقدّم في نَحْرِ العدو وهو يصيح، يا معشر المسلمين إليّ إليّ، أنا هشام بن العاص، أمِن الجنّة تفرّون؟ حتى قُتِلَ. ولما انهزمت الروم يوم أجنادين انتهوا إلى موضع لا يعبره إلاّ إنسان، وجعلت الروم تقاتل عليه وقد تقدّموه وعبروه، وتقدم هشام بن العاص بن وائل فقاتل عليه حتى قُتل، ووقع على تلك الثّلْمة فسدّها، فلمّا انتهى المسلمون إليها هابوا أن يوطِئوه الخيلَ، فقال عمرو بن العاص أيّها الناس إن الله قد استشهده ورفع روحه، وإنّما هو جُثّة فاوْطِئوه الخيلَ، ثمّ أوْطأه هو وتبعه الناس حتى قطعوه، فلمّا انتهت الهزيمة ورجع المسلمون إلى العسكر كرّ إليه عمرو بن العاص فجعل يجمع لحمه وأعضاءَه وعِظامه ثمّ حمله في نَطْعٍ فواراه، ولما بلغ عُمَرَ بن الخطّاب قتلُه قال: رحمه الله فنِعْمَ العَوْنُ كان للإسلام.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال