تسجيل الدخول


أبو سفيان صخر بن حرب

أبو سفيان صَخْر بن حَرْب بن أُمَيَّة القرشيّ:
مشهور باسمه وكنيته. أَخرجه أَبو عمر، وأَبو نُعَيم، وأَبو موسى. ولد قبل الفيل بعشر سنين. وأُم أَبي سفيان صَفِيَّة بنت حَزْن بن بُجَير، وهى عمة مَيْمُونة بنت الحارث بن حَزْن، زوجة النبي صَلَّى الله عليه وسلم. وقال عامر الشعبي: أول مَن كتبَ بالعربية حَرب بن أمية بن عبد شمس أبو أبي سفيان، قال: قيل له: ممن تَعَلَّم؟ قال: مِن أهل الحيرة. قيل له: ممن تعلم أهل الحيرة؟ قال: من أهل الأنبار. ووَلدَ أبو سفيان بن حرب: حَنْظَلَة؛ قُتِل يوم بدر كافرًا وَلاَ عَقِبَ له، وأُمَّ حَبِيبَة؛ تزوجها عبيد الله بن جَحْش بن رِئَاب الأَسدي حليف بني عَبْد شَمْس، فولدت له حبيبة، ثم توفي عبيد الله مرتدًا بأرض الحبشة، فتزوج رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أُمَّ حبيبة وهي بأرض الحبشة زوجها إياه النَّجَاشِيّ. وأُمَيْمَة؛ وهي أُمّ حبيب بنت أَبِي سُفيان؛ تزوجها حُوَيْطِب بن عَبْد العُزَّى بن أبي قيس، من بني عامر بن لُؤَي، فولدت له أبا سفيان بن حُوَيْطِب. ثم خلف عليها صَفْوان بن أُمَيّة فولدت له عبد الرحمن بن صَفْوان؛ وأمُّهم جميعًا صَفِيَّة بنت أبي العاص بن أمية. ومعاويَة، وعتبةَ، وجُوَيْرِيَةَ؛ تزوجها السّائِب بن أَبِي حُبَيْش بن المُطَّلب. ثم خلف عليها عبد الرحمن بن الحارث بن أُمَيّة الأصغر. وأمَّ الحَكَم؛ تزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله، من ثقيف، فولدت له عبد الرحمن الذي يدعى ابن أم الحكم؛ وأمهم جميعًا هند بنت عُتبة بن ربيعة. ويزيدَ بن أبي سُفيان؛ وأمُّه زينب بنت نَوفل بن خَلَف. ومُحمدًا، وعَنْبَسَةَ؛ وأُمهما عاتكة بنت أبي أُزَيْهِر بن أُنَيْس، مِن الأَزْد. وَعَمْرًا؛ أُسِر يوم بدر، وعُمَرَ، وصَخْرَةَ؛ تزوجها سعيد بن الأخْنَس بن شَرِيق الثَّقَفِيّ فولدت له. وهندًا تزوجها الحارث بن نَوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فولدت له عبد الله بن الحارث، الذي اصطلح عليه أهل البصرة أيام عبد الله بن الزبير؛ وأمهم جميعًا صفية بنت أبي عَمرو بن أمية. وميمونةَ تزوجها عُروة بن مسعود بن مُعَتِّب الثَّقَفِي، فولدت له. ثم خلف عليها المغيرة بن شُعْبة الثقفي؛ وأمها لُبابةَ بنت أبي العاص بن أمية. وَرَمْلَةَ تزوجها سعيد بن عثمان بن عفّان، فولدت له محمدًا، ثم خلف عليها عَمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، فقتل عنها، وأمها أُمَامَةُ بنت سفيان بن وهب، من بني الحارث بن عبد مَنَاة. قال: ويقولون: وزيادًا؛ وأمه سُمية. قيل:‏ أنه كان له كُنية أخرى؛ أبو حنظلة بابن له يسمَّى حنظلة، قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم بَدْر كافرًا.
قال محمد بن عمر: وكان في عير قريش التي أقبلت مِن الشام، وخرج رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يعترض لها حتى ورد بدرًا، وَسَاحَلَ أبو سفيان بالعير وبعث إلى قريش بمكة يخبرهم أن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم قد خرج يَعْتَرِض لِعِيرِهم ويأمرهم أن ينفروا إليه، فنفروا وخرجوا حتى لقوا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم ببدر، ونجا أبو سفيان بالعير، ولم يخرج مع قريش أحد مِن بني زُهْرَة ولا مِن بني عَدِيّ بن كَعْب. فقال لهم أبو سفيان: لا في العير ولا في النفير. فهو أوّل مَن قال هذه الكلمة، وهو كان على رأس المشركين يوم أُحُد، وكان رأس الأحزاب يوم الخَنْدَق، وقبل ذلك ما وَاعَدَ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يوم أُحد أن يلتقوا ببدر الموعد على رأس الحول!! فوافى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في المسلمين، ولم يُوَافِ أبو سفيان ولا أحد مِن المشركين، ولم يزل أبو سفيان بعد انصرافه عن الخندق بمكة لم يلقَ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في جمع إلى أن فتح رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم مكة، فأسلم أبو سفيان.
وقال ابن عباس: لما نزل رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم مرّ الظَّهْرَان، قال العباس بن عبد المطلب: وَاصَبَاحَ قريش إنْ دَخَلَها رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم عَنْوَةً، قال العباس: فأخذتُ بغلة رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم الشَّهْبَاء فركبتها، وقلتُ ألتمس حَطَّابًا أو إنسانًا أبعثه إلى قريش. قال: فوالله إني في الأَرَاك إذا أنا بأبي سفيان بن حرب فقلت: أبا حَنْظَلَة؟ قال: يا لبيك، أبا الفضل!! وعرف صوتي، فقال: ما لك؟ فداك أبي وأمي، قلت: ويلكَ هذا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في عشرة آلاف، فقال: بأبي وأمي مَا تَأْمُرُني. هل مِن حيلة؟ قلت: نعم، تركب عَجُزَ هذه البغلة، فأَذهبُ بك إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم؛ فإنه إنْ ظُفِر بك دونه قُتِلْتَ، قال: وأنا والله أرى ذلك. ثم ركب خلفي وتوجهتُ به إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ورآه عمر بن الخطاب فعرفه وأراد قتله، وقال: يا رسول الله، أبو سفيان أخذ بلا عهد ولا عقد، قال: فقلت: إني قد أَجَرْتُه. وجرى بين العباس بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب في ذلك كلام، قال: فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "ويْحك يا أبا سفيان ألم يَأْنِ لكَ أن تعلم أن لا إله إلا الله؟!" قال: بأبي أنت وأمي ما أحْلَمك وأكرمك وأعظم عَفوك! قد كاد يقع في نفسي أن لو كان مع الله إله لقد أغنى شيئًا بعد. قال: "يا أبا سفيان ألم يَأْنِ لكَ أن تعلم أني رسول الله؟" قال: بأبي أنت وأمي ما أحْلَمك وأكرمك وأعظم عَفوك، أما هذه فوالله إن في النَّفْس منها لَشيئًا بعد، فقال العباس: ويحك. اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم، قبل والله أن تقتل. قال: فشهد شهادة الحق فقال: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله. فقال العباس: يا نبي الله قد عرفتَ أبا سفيان وحُبه الشرف والفَخر فاجعل له شيئًا. قال: "نَعم: مَن دَخَلَ دار أبي سفيان فهو آمن ومَن أغَلَقَ داره فهو آمن".(*) وفي رواية: أن النبي صَلَّى الله عليه وسلم قال‏: ‏"‏مَنْ دَخَلَ دَاَرَ أَبِي سُفْيَان فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ آمِنٌ‏"‏؛ وفي رواية: "مَن دَخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومَن دَخل دار حكيم بن حِزام فهو آمن، ومَن دَخل دار بُدَيْل بن وَرْقَاء فهو آمن، ومَن أغلق بابه فهو آمن"(*) وقال ثابت البُنَاني: إنما قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "مَن دَخل دار أبي سفيان فهو آمن" لأن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم كان إذا أوذي وهو بمكة، فدخل دار أبي سفيان أمن.
وروى سعيد بن المُسَيَّب عن أبيه؛ قال: خمدت الأصوات يوم اليرموك والمسلمون يقاتلون الروم، إلا صوت رجل يقول: يا نصر الله اقترب، يا نَصر الله اقترب، فرفعتُ رأسي أنظر؛ فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان؛ وكان يزيد بن أبي سفيان على ربع، وأبو عُبَيدة بن الجرّاح على ربع، وعَمرو بن العاص على ربع، وشرحبيل بن حَسَنة على ربع، ولم يكن عليهم أمير يومئذ. وروى جُبَيْر بن الحُوَيْرِث بن نُقَيْد قال: حضرتُ يوم اليَرموك المعركة فلا أسمع للناس كلمة ولا صوتًا إلا نَقْفَ الحديد بعضه بعضًا، إلا أني قد سمعتُ صائحًا يقول: يا معشر المسلمين، يومٌ مِن أيام الله أبلوا فيه بلاءً حسنًا، وإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان. وفي رواية أَن أبا سفيان بن حرب كان يقِفُ على الكراديس يوم اليْرموكِ، فيقول للنّاس: الله الله، فإنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الرَّوم وأنصار المشركين؛ اللهم هذا يومٌ من أيامك، اللهم أَنْزِلْ نَصْرَك على عبادك.وروى الحسن أن أبا سفيان قال: يا رسول الله إن امرأتي تعطي مِن مالي بغير إذني، قال: "أنتما شريكان في الأجر"، قال: فإن أبيت وكرهت، قال: "فإن لها ما احتسبت ولك ما بخلت به"(*). وكان أبو سفيان رَبْعَة دَحْدَاحًا ذَا هامَةٍ عظيمة‏. وروى البَغَوِيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أنَس أنَّ أبا سفيان دخل على عثمان بعد ما عمي وغلامُه يقوده.
وكان من المؤلفة، وحسن إِسلامه. وروى الزُّبير من طريق سعيد بن عبيد الثّقفيّ، قال: رميتُ أبا سفيان يوم الطّائف فأصبْتُ عينه، فأتى النبيَّ صَلَّى الله عليه وسلم، فقال: هذه عيني أُصيبت في سبيل الله. قال: "إنْ شِئْتَ دَعَوْتُ فَرُدَّتْ عَلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ فَاْلجَنَّةُ" أخرجه أحمد في المسند 4/ 138 وابن عساكر في تاريخه 6/ 408. قَالَ: الجنّة.(*). فلم يزَلْ أَعْوَر حتى فقِئت عينه الأخرى يوم اليرموك أَصابها حجَر، فشدخها، فعمي. وأَعطاه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم من غنائم حنين مائة بعير وأَربعين أُوقية، وَزَنـَها له بلال، فلما أعطاه وأعطى ابنيه: يزيد ومعاوية، قال له أبو سفيان: والله إنك لَكريم فداك أبي وأمي، لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فَنِعْمَ المسالم أنت، فجزَاكَ الله خيرًا(*).
وروى عِكْرِمَةَ أن النبي صَلَّى الله عليه وسلم بعث إلى أبي سفيان بن حرب وأناس مِن قريش مِن المشركين بشيء، فَقَبِلَ بعضهم وَرَدَّ بعض، فقال أبو سفيان: أنا أقبل ممن رَدَّ. قال: ثم بعثَ أبو سفيان إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بسلاح وأشياء فَقَبِلَ منه(*) وروى عِكْرِمَة مولى ابن عباس أن النبي صَلَّى الله عليه وسلم أهدى إلى أبي سفيان بن حرب تَمرَ عجوة وكتب إليه يستهديه أدما(*) فقدم عَمرو بن أُمية فنزل على إحدى امرأَتَي أبي سفيان، فلما أصبحت قريش عَدَوا عليه فأخذوه، فقال: يا فلانة أؤخذ مِن بيتك ودارك؟! أما والله لو كنتُ نزلتُ على فلانة لمنعتني؟!، فَأَحْفَظَهَا. فقامت دونه وقالت لأبي سفيان: لتمنعن ضيفي. فَمَنَعه. وقَبِلَ أبو سفيان هَدِية رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وأهدَى إليه أدما(*) وقال يعقوب بن عبد الله عن جعفر عن سعيد: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} [سورة الأنفال: 36] قال: نزلت في أبي سفيان. وعن ابن أَبْزَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [سورة آل عمران: 173]. قال أبو سفيان: قال القوم: إن لقيتم أصحاب محمد فأخبروه أنا قد جمعنا لهم جُموعًا. فأخبروهم، فقالوا: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [سورة آل عمران: 173]. وروى أبو إسحاق السَّبِيعِيّ أن أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة كان جالسًا فقال في نفسه: لو جمعت لمحمد جمعًا، قال: إنه لَيُحَدِّث نَفْسَه إذ ضَرَبَ النبي صَلَّى الله عليه وسلم بين كتفيه وقال: "إذًا أخزاك الله"، قال: فرفع رأسه فإذا النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم قائم على رأسه فقال: ما أيقنت أنك نبي حتى الساعة إن كنتُ لأحدث نفسي بذلك(*). وقال أبو السَّفَر: لما رأى أبو سفيان الناس. يطئون عَقِبَي رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم حسده، فقال بينه وبين نفسه: لو عاودت هذا الرجل، فجاء رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، حتى ضرب بيده في صدره ثم قال: "إذًا يُخْزِيك الله، إذًا يُخْزِيك الله!" فقال: أتوب إلى الله وأستغفره، والله ما تفوهت به، ما هو إلا شيء حدثت به نفسي(*). وقال عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم: خرج النبي صَلَّى الله عليه وسلم ملتحفًا بثوب مِن بعض بيوت نسائه وأبو سفيان جالس في المسجد، فقال أبو سفيان: ما أدري بم يَغْلِبنا محمد؟ فأتى النبي صَلَّى الله عليه وسلم حتى ضَرَبَ في ظَهْرِه وقال: "بالله يغلبك". قال أبو سفيان: أشهدُ أنك رسول الله.(*). وروى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، من طريق إسحاق بن يحيى، عن أبي الهيثم، عمن أخبره أنه سمع أبا سفيان بن حرب يمازحُ رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم في بيت بنته أم حبيبة، ويقول: والله إن هو إلا أَنْ تركتك فتركتكَ العرب، إن انتطحت فيك جَمّاء ولا ذات قَرْن. ورسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم يضحك. ويقول: "أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا حَنْظَلَةَ"!.(*). وذكر ابْنُ إِسْحَاقَ أنَّ النبيَّ صَلَّى الله عليه وسلم وجَّهه إلى مناة فهدمه. وروى عَلْقَمة بن نَضْلَة أن أبا سفيان بن حَرب قام على ردم الحذّائين ثم ضرَب برجله وقال: سَنام الأرض إن لها سَنامًا، يزعم ابن فَرْقدَ أني لا أعرفُ حقي مِن حقه! لي بياض المروة وله سوادها، ولي ما بين مقامي هذا إلى تُجْنَى ساحة الطائف، فَبَلَغَ ذلك عمر بن الخطاب فقال: إن أبا سفيان لَقديم الظلم، ليس لأحدٍ حق مِن الأرض إلا ما أحاطت عليه جدرانه. وقَدم عمر بن الخطاب مكة، فوقف على الرّدم، فقال له أهل مكة: إن أبا سفيان قد سَدَّ علينا مجرى السَّيْل بأحجارٍ وضعها هناك فقال: عليّ بأبي سفيان، فجاء، فقال: لا أبرح حتى تنقل هذه الحجارة حَجَرًا حجرًا بنفسك، فجعل ينقلها. فلما رأى عمر ذلك قال: الحمد لله الذي جَعَلَ عُمر يأمر أبا سفيان ببطن مكة فيطيعه. وروى عبد الرحمن بن حسن عن أبيه أن زَمْعَة أو ابن زَمْعَة قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين أَقْطِعني خَيفَ الأرين أَملأْه عَجوة! قال: نعم، فبلغ ذلك أبا سفيان فقال: دَعُوه فَلْيَمْلأه عجوة، ثم لينظر أينا يأكل جَناه قال: فلما سمع ذلك تركه حتى كان معاوية، فهو الذي ملأه عجوة وجعل له عَينًا. قال عبد الرحمن: أدركتُ أنا العَجْوةَ فيه. وروى عائذ بن عَمرو أن سَلْمان وصُهَيبًا وبِلالًا كانوا قعودًا، فمرّ عليهم أبو سفيان فقالوا: ما أخذت سيوف الله مِن عُنق عدو الله مأخذها بعد. فقال أبو بكر الصّدّيق: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها! أعطاه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم مِن غنائم حنين مائة مِن الإبل. وكان من أشرافِ قريش في الجاهليّة، وكان تاجرًا يجهِّزُ التجّار بماله وأموالِ قريش إلى الشّام وغيرها من أرض العجم، وكان يخرج أحيانًا بنفسه، فكانَتْ إليه راية الرّؤساء المعروفة بالعُقَاب، وكان لا يحبسها إلا رئيس؛ فإذا حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعَتْ تلك الرّاية بيد الرّئيس‏.‏ ويقال:‏ كان أفضل قريش في الجاهليّة رأيًا ثلاثة: عتبة، وأبو جهل، وأبو سفيان؛ فلما أتى الله بالإِسلام أدْبَرُوا في الرَّأي. وكان أبو سفيان صديق العبّاس ونديمه في الجاهليّة.
ورَوَى أَبُو سُفْيَانَ عن النّبي صَلَّى الله عليه وسلم، وروى عنه ابن عبّاس، وقيس بن حازم، وابنه معاوية؛ فروى عنه ابن عباس: أَن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم كتب إِلى هرقل.
وقد استعمله النبي صَلَّى الله عليه وسلم على نَجْرَان، فمات النبي صَلَّى الله عليه وسلم وهو والٍ عليها، ورجع إلى مكّة، فسكنها برهة، ثم رجع إلى المدينة، فمات بها‏. قال الواقدي‏ّ:‏ أصحابُنا ينكرون ولاية أبي سفيان على نَجْرَان في حين وفاةِ النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، ويقولون: كان أبو سفيان بمكّة وقت وفاةِ النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، وكان عاملُه على نَجْرَان يومئذ عمرو بن حزم.
وقال عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: مات أبو سفيان لستٍّ خَلَوْن من خلافة عثمان. وقال الهيثم: لتسع خلون. وقال الزّبير: في آخر خلافة عثمان. وتوفي سنة ثلاثين، وقيل: سنة إحدى، وقيل اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: مات سنة أربع وثلاثين. وقيل: عاش ثلاثًا وتسعين سنة.وقيل: ثمانٍ وثمانين. وصَلَّى عليه ابنْهُ معاوية. وقيل: بل صَلَّى عليه عثمان بموضع الجنائز، ودُفِن بالبقيع.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال