تسجيل الدخول


عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي

عَبْدُ اللّهِ بنِ عَباسِ بنِ عبد المُطَّلِبِ، القُرَشِيّ الهاشمي، ابنُ عَمِّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: يُسمَّى حَبْرُ الأُمة، من كثرة عِلْمِه، وكان يقال له: حبر العرب؛ ويقال: إن الذي لقبه بذلك جرجير ملك المغرب، ويُكْنَى أبا العبّاس. وُلد ابن عباس في الشِّعب، وبنو هاشم محصورون، فوُلد قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، روي عن ابن عباس، قال: توفي رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر حِجج، وقرأتُ المحكَم على عهد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يعني المُفَصَّل. وروي أن العباس بن عبد المطلب أرسل ابنه عبد الله إلى النبي صَلَّى الله عليه وسلم يكلمه بحاجة فوجد عنده رجلًا فرجع فلم يكلمه من أجل مكان الرجل معه، فلقي النبيَ صَلَّى الله عليه وسلم العباسُ بعد ذلك فقال: أرسلت إليك ابني فوجد عندك رجلًا فلم يستطع أن يكلمك فرجع. قال النبي صَلَّى الله عليه وسلم: "وقد رآه؟" فقال العباس: نعم. قال:"وتدري مَن ذلك الرجل؟" قال: لا. قال: "ذلك جبريل صَلَّى الله عليه وسلم لعسى أن لا يموت ابنك حتى يؤتى علمًا ويذهب بصره". وروي عن ابن عباس، أن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم كان في بيت ميمونة، فوضعتُ له وضوءًا من الليل. قال: فقالت ميمونة: يارسول الله وضع لك هذا عبد الله بن عباس، فقال صَلَّى الله عليه وسلم: "اللهم فقِّهه في الدين وعلِّمهُ التأويل".، وروى طاوس عن ابن عبّاس قال: دعاني رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فمسح على ناصيتي وقال: "اللهمّ عَلّمْهُ الحكمة وتأويلَ الكتاب". وروي عن ابْنَ عباس قال: صليتُ خَلْفَ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فأخذ بيدي فجرَّنِي حتى جعلني حِذاءَه، فلما أقبل على صلاته خنست. فلما انصرف قال لي: "ما شَأنُكَ؟" فقلت: يا رسول الله، أو ينبغي لأحَدٍ أنْ يصلِّي حِذَاءك، وأنتَ رسول الله! فدعا لي أن يزيدني الله علمًا وفهمًا، وروى حَنَشِ الصَّنْعَانِي، عن ابن عباس قال: كنت خَلْفَ رسولِ الله صَلَّى الله عليه وسلم فقال: "يَا غُلَامُ، إِنِّي أَعَلِّمُكَ كَلامَاتٍ: احْفَظِ الله يَحْفَظَكَ، احْفَظ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوْكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوْكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ كَتَبَهُ الله لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرّوكَ، لَمْ يَضروكَ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الْصُّحُفُ" . روى الضّحّاك عن ابن عبّاس في قوله تعالى: }مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ {[سورة الكهف:22]: قال: أنا من أولئك القليلِ وهم سبعةٌ، وكان ابن عبّاس إذا سُئلَ عن الأمر فإن كان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أخبر به، فإن لم يكن في القرآن ولا عن رسول الله، وكان عن أبي بكر وعمر أخبر به، فإن لم يكن في شئٍ من ذلك اجتهدَ رَأيَه. وعن ابن عبّاس قال: لمّا قُبض رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، قلتُ لرجل من الأنصار: هَلُمّ فَلْنَسْأل أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فإنّهم اليومَ كثيرٌ، قال: فقال: واعجبا لك يا بن عبّاس! أتَرَى النّاس يفتقرون إليك وفي النّاس من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، مَنْ فيهم؟ قال: فتركتُ ذلك وأقبلتُ أسأل أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم عن الحديث؛ فإنْ كان لَيَبْلغني الحديثُ عن الرجل، فآتِي بابَه وهو قائل، فأتوسّد رِدائى على بابه تَسفي الريحُ عليّ الترابَ، فيخرج فيراني فيقول لي: يابن عمّ رسول الله ما جاء بك؟ ألا أرسلتَ إليّ فَآتيكَ؟ فأقول:لا، أنا أحقّ أن آتيك! فأسأله عن الحديث، فعاش ذلك الرجل الأنصاريّ حتى رأني وقد اجتمع الناسُ حولي ليسألوني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني!. ولقَدْ كانَ يجلسُ يومًا ما يذكر فيه إلّا الفقهَ، ويومًا التأويلَ، ويومًا المغازي، ويومًا الشعر، ويومًا أيّام العرب، وقال سعيد بنَ المسيّب: ابنُ عبّاس أعلمُ النّاسِ! وكان ابن عمر يقول: أعلمُنا ابنُ عبّاس، وقال سعيد بن جُبير: إنْ كان ابنُ عبّاس ليُحدّثني الحديث فلو يأذن لي أن أُقَبّل رأسه لفَعَلتُ. ولّى عثمان ابن عباس على الحج سنة خمس وثلاثين، ولما وُلّى عليّ وبويع له استعمل أيضًا ابن عباس على الحج، وقال سعيد بن جُبَير: كان أناس من المهاجرين قد وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس دونهم، قال: وكان يسأله. فقال عمر: أَمَا إِنّي سَأُرِيكم منه اليوم ما تعرفون فَضْلَه، فسألهم عن هذه السورة: }إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا {[سورة النصر: 2،1] قال: فقال بعضهم: أمر الله نبيه صَلَّى الله عليه وسلم إذا رَأَى الناسَ يدخلون في دين الله أفواجًا أن يحمده ويستغفره. قال: فقال عمر: يابن عباس أَلَا تكلّم؟ قال فقال: أعلمه متى يموت. قال: }إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا{، فهي آتيك من الموت: }فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا{[سورة النصر: 3]. قال: ثم سألهم عن ليلة القدر فأكثروا فيها؛ فقال بعضهم: كنّا نرى أَنها في العشر الوسط، ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر، قال: فأكثروا فيها، فقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرين، وقال بعضهم: ثلاث وعشرين، وقال بعضهم: سبع وعشرين، فقال عمر لابن عباس: أَلَا تكلّم؟ قال: والله أعلم. قال: قد نعلم أن الله أعلم، إنما نسألك عن علمك، فقال ابن عباس: الله وتْر يحب الوتْر؛ خلق من خلقه سبع سماوات فاستوى عليهن، وخلق الأرض سبعا، وخلق عدة الأيام سبعًا، وجعل طوافًا بالبيت سبعًا، ورمي الجمار سبعًا، وبين الصفا والمروة سبعًا، وخلق الإنسان من سبع، وجعل رزقه من سبع قال: فقال عمر: فكيف خلق الإنسان من سبع؟ وجعل رزقه من سبع؟ فقد فهمتَ من هذا أمرًا ما فهمتُه. قال ابن عباس: إن الله يقول: }وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ{ حتى بلغ إلى قوله: }فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ{[سورة المؤمنون: 12 ـ 14] قال: ثم قرأ: }أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا {[سورة عبس 25 ـ 31]. فأما السبعة فلبني آدم، وأما الأبّ فما أنبت الأرض للأنعام، وأما ليلة القدر فما نراها ــ إن شاء الله ــ إلا ليلة ثلاث وعشرين يمضين وسبع يبقين، وروي أن العباس قال لعبد الله بن العباس: إني أرى هذا الرجل ــ يعني عمر بن الخطاب ــ قد أدناك وأكرمك وألحقك بقوم لست مثلهم؛ فاحفظ عني ثلاثا: لا يُجرِّبَنَّ عليك كذبًا، ولا تفشيَنَّ له سِرًّا، ولا تَغْتَابَنَّ عنده أَحَدًا، وروي عن ابن عباس، قال: لما طعن عمر قال: لو أن لي ما في الأرض لافتديت به من هول المُطَّلع. فقال له ابن عباس: لم؟ فقد فتح الله بك الفتوح، ومَصَّرَ بكَ الأمصار، وولِيت الناس فعملت بالعدل، وصحبت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ومات وهو عنك راضٍ، وصحبت أبا بكر فمات وهو عنك راضٍ، فقال عمر: أردد عليّ الكلمات، فرددها عليه فقال: أتشهد بها لي عند الله؟ قال: نعم أشهد لك بها عند الله. وروي عن ابن عباس قال: من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون، وروي أنَّ رجلًا سأل اْبَن عمر عن قوله تعالى: }كَانَتَا رَتْقًا فَفَتقْنَاهُما {[الأنبياء: 30] فقال: اذهب إلى ذلك الشيخ فَسلْهَ ثم تعال فأخْبِرْني. فذهب إلى ابن عباس، فسأله، فقال: كانت السماوات رتقاء لا تُمْطِر، والأرض رَتَقْاء لا تنبت، ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات. فرجع الرجلُ فأخبر ابْنَ عمر، فقال: لقد أوتي ابْنُ عباس عِلْمًا صدقًا، وقال عليّ في ابن عباس: إنه لينظر إلى الغَيْب من ستر رقيق، لعقله وفِطْنته. وفاته: لما مرض عبد الله بن عباس وعنده مجموعة من أصحابه إذ قال لهم: إني أموت في خير عصابة على وجه الأرض، أحبهم إلى الله، وأكرمهم عليه، وأقربهم إلى الله زُلفى، فإن متّ فيكم فأنتم هم، فما لبث إلا ثمان ليالٍ بعد هذا القول حتى توفي رحمه الله، فصلّى عليه محمد بن الحنفية، وولوا حمله ودفنه. ولمّا دُفن ابن عبّاس قال ابن الحَنَفيّة: اليومَ مات رَبّانيّ هذه الأمّة! وروى يعقوب بن زيد عن أبيه قال: سمعتُ جابر بن عبد الله يقول حين بلغه موتُ ابن عبّاس وصَفَقَ بإحدى يدَيه على الأخرى: مات أعلم النّاس وأحلمُ النّاسِ، ولقد أصيبتْ به هذه الأمّة مصيبةً لا تُرْتَقُ! وكان عمره رضي الله عنه لما مات إحدى وسبعين سنة؛ وروى عبد الله بن يامين أنه لما مرّ بجنازة عبد الله بن عباس، جاء طائر أبيض يقال له الغرْنُوق، فدخل في النعش فلم يُرَ بعد، فكانوا يرون أنه علمه، فلما دفن تُليت هذه الآية: }يَا أيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلَى رَبِّكِ... {إلى آخر السورة [الفجر: 27، 28].
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال