تسجيل الدخول


علي بن أبي طالب الهاشمي رضي الله عنه ابن عبد المطلب هاشم بن عبد مناف...

عَلِيّ بنُ أَبِي طَالِبِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِب الهاشِميّ القرشيّ:
يُكنى عليّ أبا الحسن، وذكر ابن إِسْحَاقَ أنه اكتنى "بأبي القصم" يوم أحُد عند القتال. وهو أَول هاشمي ولد بين هاشميين. ووُلِد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، فربّي في حِجْر النبي صَلَّى الله عليه وسلم، ولم يفارقه.
وعليُّ هو أَوّل خليفة من بني هاشم، واسم والده أبي طالب هو عبدُ مناف وقيل: اسمه كنيته؛ والأول أصحّ، وكان يقال لعبد المطّلب "شيبة الحمد"، واسم هاشم "عمرو"، وأمُّ عليّ بن أبي طالب فاطمةُ بنتُ أسد بن هاشم القرشية، وهي أولُ هاشميةٍ وُلدت لهاشمي، تُوفيِّت مسلمةً قبل الهجرة، وقيل:‏ إنها هاجرت.
كان عليٌّ أصغرَ ولد أبي طالب‏،‏ وكان أصغر من جعفر بعشر سنين، وكان جعفرُ أصغرَ من عقيل بعشر سنين، وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين، وعليّ هو ابن عم رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وأَخوه، وصهره على ابنته فاطمة سيدة نساءِ العالمين، وأَبو السبطين.
كان له من الولد الحسن، والحسين، وزينب الكبرى، وأمّ كلثوم الكبرى، وأمّهم فاطمة بنت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ومحمّد ابن عليّ الأكبر وهو ابن الحَنَفِيّة، وأُمّه خَوْلَة بنت جعفر بن قيس، من بكر بن وائل، وعُبيد الله بن عليّ؛ قتله المختار بن أبي عُبيد بالمذَار، وأبو بكر بن عليّ قُتل مع الحسين ولا عقب لهما، وأُمهما ليلى بنت مسعود بن خالد التَميمية. والعبّاس الأكبر بن عليّ، وعثمان، وجعفر الأكبر، وعبد الله قُتلوا مع الحسين بن عليّ ولا بقيّة لهم، وأُمّهم أمّ البنين بنت حِزام بن خالد الكِلابية، ومحمّد الأصغر بن عليّ قُتل مع الحسين، وأُمّه أم ولد، ويحيَى، وعون ابنا عليّ وأمّهما أسماءُ بنت عُميس الخثعميّة، وعمر الأكبر بن عليّ، ورقيّة بنت عليّ وأمّهما الصّهباءُ، وهي أم حبيب بنت ربيعة بن بُجير، وكانت سبيّة أصابها خالد بن الوليد، حين أغار على بني تغلب، بناحية عين التمر، ومحمّد الأوسط بن عليّ، وأُمّه أُمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وأمها زينب بنت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وأُمّها خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية، وأُمّ الحسن بنت عليّ، ورَمْلَة الكبرى، وأُمهما أمّ سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي، وأُمّ هانئ بنت عليّ، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأُمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلَمة، وأم جعفر، وجُمانة، ونفيسة، بنات عليّ وهنّ لأمّهات أولاد شتّى، وابنة لعليّ لم تُسَمّ لنا، هلكت وهي جارية لم تبرز، وأُمّها مُحَيّاة بنت امرئ القيس بن عديّ الكلبية، وكانت تخرج إلى المسجد وهي جارية فيقال لها: مَن أخْوالُكِ؟ فتقول "وه، وه" تعني كلبًا، فجميع ولد عليّ بن أبي طالب لصلبه أربعة عشر ذكرًا وتسع عشرة امرأة، وكان النسل من ولده لخمسة: الحسن، والحسين، ومحمّد بن الحنفيّة، والعبّاس بن الكلابيّة، وعمر بن التغلَبيّة، قال محمّد بن سعد: لم يصحّ لنا من ولد عليّ رضي الله عنه غيرُ هؤلاء‏‏.
أحسن ما قيل في صفة عليّ رضي الله عنه أنه كان رَبْعة من الرّجال إلى القصر ما هو، أدعج العينين، حسن الوجه، كأنه القمر ليلة البدر حُسْنًا، ضخْم البطن، عريض المنكبين، شثن الكفَّين، عَتَدًا أغيد، كأن عنقه إبريق فضةٍ، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه، كبير اللّحية، لمنكبه مُشاش كمشاش السّبع الضاري، لا يتبيّن عضده من ساعده، قد أدمجت إدماجًا؛ إذا مشى تكفّأ، وإذا أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفّس، وهو إلى السّمن ما هو، شديد السَّاعد واليد، وإذا مشى للحرب هَرْوَل، ثبت الجنان، قويّ شجاع، منصور على من لاقاه، وروى مدرك أَبو الحجاج قال: رأَيت عليًا يخطب، وكان من أَحسن الناس وجهًا، وقيل: كان كأَنما كسر ثم جُبِرَ، لا يغير شيبه، خفيف المشْيِ، ضحوك السِّن.
وروى ابن إِسحاق في إِسْلَام عليّ رَضِيَ الْلَّهُ عَنْهُ قال: ثم إِن علي بن أَبي طالب جاءَ بعد ذلك بيوم ــ يعني: بعد إِسلام خديجة وصلاتها معه ــ قال: فوجدهما يصليان، فقال علي: يا محمد، ما هذا؟ فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "دين الله الذي اصطفى لنفسه، وبَعَث به رسله، فأَدعوك إِلى الله، وإِلى عبادته، وكُفْر باللات والعزى"، فقال له علي: هذا أَمر لم أَسمع به قبل اليوم، فلست بقاضٍ أَمرًا حتى أُحدّث أَبا طالب، فكره رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أَن يفشي عليه سره قبل أَن يَسْتَعِلنْ أَمرَه، فقال له: "يَا عَلِيُّ، إِنْ لَمْ تُسْلِمْ فَاكْتُمْ"، فَمَكَثَ عَلِيٌّ تِلْكَ الْلَّيْلَةَ، ثُمَّ إِنَّ الله أَوْقَعَ فِي قَلْبِ عَليِّ الْإِسْلَامَ، فَأصْبَحَ غَادِيًا إِلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عليه وسلم حَتَّى جَاءَهُ فَقَالَ: مَاذَا عَرَضْتَ عَلَيَّ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم: "تَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ، وَتَكْفُرُ بِالْلَّاتِ وَالْعُزَّى، وَتَبْرَأْ مِنَ الْأَنْدَادِ"، فَفَعَلَ عَلِيُّ وَأَسْلَمَ، وَمَكَثَ عَلِيُّ يَأْتِيهِ سِرًّا خَوْفًا مِنْ أَبِي طَالِبٍ، وَكَتَمَ عَلِيُّ إِسْلَامَهُ، وَكَانَ مِمَّا أَنْعَمَ الله بِهِ عَلَى عَلِيِّ أَنَّهُ رُبِّي فِي حِجْرِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عليه وسلم قَبْلَ الْإِسْلَامِ(*) أخرجه ابن حبان في صحيحه حديث رقم 2110 والدارمي في السنن 1/10، والطبراني في الكبير 2/93 وأورده الهيثمي في الزوائد 8/295، 9/65 والبيهقي في دلائل النبوة 2/161 والمتقي الهندي في كنز العمال حديث رقم 36865.، وروى مجاهد قال: أَسلم علي وهو ابن عشر سنين، وروى أبو عيسى الترمذي بسنده، عن ابن عباس قال: "أَوّل من أَسلم علي"، وروى أبو عيسى الترمذي بسنده، عن أَنس بن مالك قال: "بعث النبي صَلَّى الله عليه وسلم يوم الاثنين، وأَسلم عَلِيّ يوم الثلاثاءِ" أخرجه الترمذي في السنن 5/598 كتاب المناقب (50) باب (21) حديث رقم 3728.، وروى أيضًا بسنده، عن زيد ابن أَرقم قال: "أَوّل من أَسلم علي" أخرجه الترمذي في السنن 5/600 كتاب المناقب (50) باب مناقب علي رضي اللّه عنه (21) حديث رقم 3735.، قال عمرو بن مرة أحد الرواة: فذكرت ذلك لإِبراهيم النخعي، فأَنكره وقال: "أَوّل من أَسلم أَبو بكر"، وروى علي رضي الله عنه قال: لم أَعلم أَحدًا من هذه الأُمة عَبَدَ الله قبلي، لقد عبدته قبل أَن يعبده أَحدٌ منهم خمس سنين، أَو سبع سنين أخرجه أحمد في المسند 1/99 عن أبي سعيد مولى بني هاشم وأورده الهيثمي في الزوائد 9/105 وقال رواه أحمد وأبو يعلى باختصار والبزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن.، وروى أبو داود الطيالسي بإِسناده، عن سلمة بن كُهَيل بن حَبَّة العُرَني قال: سمعت عليًا يقول: أَنا أَول من صلى مع النبي صَلَّى الله عليه وسلم.
والصّحيحُ في أمر أَبي بكر أَنه أَول من أَظهر إسلامه؛ كذلك قال مجاهد، وغيره؛ قالوا: ومنعه قومُه، وقال ابن شهاب، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وقتادة وأَبو إسحاق: أَول من أَسلم من الرِّجال علي، واتفقوا على أن خديجة أَول من آمن بالله ورسوله، وصدّقه فيما جاء به، ثم عليٌّ بعدها، ورُوي في ذلك عن أَبي رافع مثل ذلك.
وروى ابن إِسحاق في هِجْرَتُهُ رَضِيَ الْلَّهُ عَنْهُ قال: وأَقام رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم ــ يعني: بعد أَن هاجر أَصحابه إِلى المدينة ــ ينتظر مجيءَ جبريل عليه السلام، وأَمره له أَن يخرج من مكة بإِذن الله له في الهجرة إِلى المدينة، حتى إِذا اجتمعت قريش فمكرت بالنبي، وأَرادوا برسول الله صَلَّى الله عليه وسلم ما أَرادوا، أَتاه جبريل عليه السلام، وأَمره أَن لا يبيت في مكانه الذي يبيت فيْه، فدعا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم علي بن أَبي طالب؛ فأَمره أَن يبيت على فراشه، ويَتَسجَّى ببُردٍ له أَخضر، ففعل، ثم خرج رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم على القوم وهم على بابه، وقال ابن إِسحاق: وتتابع الناس في الهجرة، وكان آخر من قدم المدينة من الناس، ولم يفتن في دينه علي بن أَبي طالب وذلك أَن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أَخره بمكة، وأَمره أَن ينامَ على فراشه وأَجلَّه ثلاثًا، وأَمره أَن يؤدي إِلى كل ذي حق حقه ففعل، ثم لحق برسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وروى رافع في هجرة النبي صَلَّى الله عليه وسلم قال: وخلفه النبي صَلَّى الله عليه وسلم ــ يعني خَلَف عليًا ــ يخرج إِليه بأَهله، وأَمره أَن يؤدي عنه أَمانته ووصايا من كان يوصي إِليه، وما كان يؤتَمَن عليه من مال، فأَدّى عليٌّ أَمانته كلها، وأَمره أَن يضطَّجع على فراشه ليلة خرج، وقال: "إِنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَفْقِدُونِي مَا رَأَوْكَ"، فاضطجع على فراشه، وكانت قريش تنظر إِلى فراشِ النبي صَلَّى الله عليه وسلم فيرون عليه عليًا، فيظنونه النبي صَلَّى الله عليه وسلم، حتى إذا أَصبحوا رأَوا عليه عليًا، فقالوا: لو خرج محمد لخرج بعليٍّ معه، فحبسهم الله بذلك عن طلب النبي حين رأَوا عليًا، وأَمر النبي صَلَّى الله عليه وسلم عليًا أَن يلحقه بالمدينة، فخرج علي في طلبه بعدما أَخرج إِليه أَهله يمشي الليل ويكمُن النهار، حتى قدم المدينة، فلما بلغ النبيَّ صَلَّى الله عليه وسلم قدومُه قال: "ادعوا لي عليًا"، قيل: يا رسول الله، لا يقدر أَن يمشي، فأَتاه النبيُّ صَلَّى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَآه اعتنَقَهُ وَبَكى، رَحْمَةً لِمَا بِقَدَمَيْهِ مِنَ الْوَرَمِ، وَكَانَتَا تَقْطِرَانِ دَمًا، فَتَفَلَ الْنَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وسلم فِي يَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِهِمَا رِجْلَيْهِ، وَدَعَا لَهُ بِالْعَافِيَةِ فَلَمْ يَشْتَكِهِمَا حَتَّى اسْتَشْهَدَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ(*).
آخاه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم مرتين، فإِن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين، ثم آخى بين المهاجرين والأَنصار بعد الهجرة، وقال لعلي في كل واحدة منهما: "أَنت أَخي في الدنيا والآخرة"(*) أخرجه الترمذي في السنن 5/595 كتاب المناقب (50)باب 21 حديث رقم 3720 والحاكم في المستدرك 3/ 14 وأورده ابن حجر في الفتح 7/71 والمتقي الهندي في كنز العمال حديث رقم 32879..
شهد عليٌّ رَضِيَ الْلَّهُ عَنْهُ بَدْرًا، والحديبية، وسائرَ المشاهد، فقد ذكر أبو إِسحاق، في تسمية من شهد بدرًا من قريش، ثم من بني هاشم قال: "وعلي بن أَبي طالب، وهو أَول من آمن به"، وأَجمع أَهل التاريخ والسند على أَنه شهد بدرًا وغيرها من المشاهد، وأَنه لم يشهد غزوة تبوك لا غير؛ لأَن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم خَلَفه على أَهله، وروى أَبو إِسحاق قال: سأَل رجل البراءَ وأَنا أَسمع: أَشهد عليُّ بدرًا؟ قال: بارز وظاهر صحيح البخاري 5/96 كتاب المغازي.، وروى مصعب بن سعد، عن سعد قال: لقد رأَيته ــ يعني عليًا ــ يخطِر بالسيف هام المشركين يقول:

سَنَحْنَحُ الْلَّيْلِ كأَنّي جِنِّي
وروى سعيد بن المسيب قال: لقد أَصابت عليًا يوم أَحُد ستَّ عشرة ضربة كل ضربة تلزمه الأَرض، فما كان يرفعه إِلا جبريل عليه السلام، وروى ثعلبة بن أَبي مالك قال: كان سعد بن عبادة صاحب راية رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في المواطن كلها فإِذا كان وقت القتال أَخذها علي بن أَبي طالب، وروى الزبير بن بكار قال: وله يعني لعلي بن أَبي طالب ــ يقول أَسِيد بن أَبي أناس بن زُنَيم، وهو يحرض مشركي قريش على قتله ويعيّرهم:
في كُلّ مَجْمَع ِ غَايَةٍ أَخْزَاكُـمُ جَذَعٌ أَبَرُّ عَلَى الْمذَاكِي الْـقُـرَّحِ
لله
دَرُّكُمُ أَلَمَّا
تُنْكِرُوا قَدْ يُنْكِرُ الْحَيُّ الْكَرِيـْمُ وَيَسْتَحِـي
هَذا ابْنُ فَاطِمَةَ الَّذِي أَفْنَاكُـمُ ذَبْحًا، وَقِتْلَةَ قِعْصَـةٍ لَـمْ تُـذْبَـح
أَعْطَوْهُ خُرْجًا وَاتَّقُوا بِضَرِيْبَةٍ فِعْلَ الْذَّلِيلِ
وَبَيْعَـة َ لَـم ْ تَـرْبَـحِ
أَيْنَ الْكُهُولُ؟ وَأَيْنَ كُلُّ دَعَامَـةٍ فِي الْمُعْضِلاَتِ؟وَأَيْنَ زَينُ الأَبْطُحِ
أَفْنَاهُمُ قَعْصًا وَضَرْبًا يفـري بِالْسَّيْفِ يُعْمِلُ حَـدَّهُ لَـمْ يُصْفَـحِ
وروى عكرمة قال: قال علي: لما تخلى الناس عن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، يوم أُحد نظرت في القتلى فلم أَر رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فقلت: والله ما كان ليفرّ وما أَراه في القتلى، ولكن الله غَضِب علينا بما صنعنا فَرَفَعَ نبيه، فما فيّ خير من أَن أَقاتل حتى أُقتل، فكسرت جَفن سيفي، ثم حملت على القوم فأَفرجوا لي، فإِذا برسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بينهم، وروى عبد اللّه بن بُرَيدة، عن أَبيه قال: لما كان يوم خيبر أَخذ أَبو بكر اللواءَ، فلما كان من الغد أَخذه عمر ــ وقيل: محمد بن مسلمة ــ فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "لَأَدْفَعَنَّ لِوَائِي إِلَى رَجُلٍ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يَفْتَحَ الله عَلَيْهِ"، فَصَلَّى رَسُولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم صَلَاةَ الغَدَاةِ، ثُمَّ دَعَا بِالْلِّوَاءِ، فَدَعَا عَلِيًّا وَهُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَمَسَحَهُمَا ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ الْلِّوَاءَ فَفَتَحَ ــ قَالَ: فَسَمِعْتُ عَبْدَ الْلَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ مَرْحَبٍ ــ يَعْنِي: عَلِيًّا(*) أخرجه البخاري في الصحيح 4/65، 73 كتاب المغازي (38)باب غزوة خيبر، ومسلم في الصحيح 4/1871 كتاب فضائل الصحابة (44) باب فضائل علي بن أبي طالب (4) حديث رقم (33/2405) والترمذي في السنن 5/596 كتاب المناقب (50) باب (21) حديث رقم 3724 وأحمد في المسند 4/52، والبيهقي في السنن الكبرى 9/131.، وأَخباره في حروبه كثيرة لا نطوّل بذكرها.
وروى موسى بن محمّد بن إبراهيم، عن أبيه قال: كان عليّ بن أبي طالب يوم بدر مُعْلِمًا بصوفة بيضاء، وقال محمّد بن عمر: وكان عليّ ممّن ثَبَتَ مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، يوم أُحُدٍ حين انهزم النّاس، وبايعه على الموت، وبعثه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم سريّة إلى بني سعد بفَدَك في مائة رجل، وكان معه إحدى رايات المهاجرين الثلاث يومَ فتْح مكّة، وبعثه سريّة إلى الفُلُس إلى طَيِّئ، وبعثه إلى اليمن ولم يتخلّف عن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، في غزوة غزاها إلا غزوة تبوك خَلّفه في أهله، فقد روى البراء بن عازب، وزيد ابن أرقم قالا: لما كان عند غزوة جَيْش العُسْرة وهي تبوك قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، لعليّ بن أبي طالب: "إنّه لا بدّ من أن أقيم، أو تقيم"، فخلّفه، فلمّا فصل رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم غازيًا قال ناس: ما خلّف عليًّا إلا لشيءٍ كرهَهُ منه، فبلغ ذلك علِيًّا فاتّبع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم حتى انتهى إليه، فقال له: "ما جاء بك يا عليّ؟" قال: لا يا رسول الله إلا أني سمعتُ ناسًا يزعمون أنّك إنّما خَلّفتَني لشيء كرِهتَهُ منّي، فتضاحك رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم وقال: "يا عليّ أما ترضى أن تكون منّي كهارون من موسى غيرَ أنّك لستَ بنبيّ؟" قال: بلى يا رسول الله، قال: "فإنّه كذلك"(*).
وروى سليمان الأحْمسيّ، عن أبيه قال: قال عليّ: والله ما نزلتْ آيَةٌ إلا ّوقد علِمتُ فيما نزَلَتْ؟ وأين نزَلَتْ؟ وعلى من نَزَلَتْ؟ إنّ ربّي وهب لي قلبًا عَقُولًا، ولسانًا طَلقًا، وروى أبو الطّفَيْل قال: قال عليّ: سَلُوني عن كتاب الله، فإنّه ليس من آية إلاّ وقد عَرَفْتُ بلَيْلٍ نزلَتْ أمْ بنهارٍ، في سهل أم في جبل، وروى محمّد قال: نُبّئتُ أنّ عليًّا أبطأ عن بَيْعَةِ أبي بكرٍ فلقيه أبو بكر فقال: أكَرِهتَ إمارتي؟ فقال: لا، ولكنّي آليتُ بيمينٍ أن لا أرتدي بردائي إلاّ إلى الصّلاة حتى أجمعَ القرآنَ! قال: فزعموا أنّه كتبه على تنزيله، قال محمّد: فلو أصيب ذلك الكتابُ كان فيه علم، قال ابن عوْن: فسألتُ عكرمَةَ عن ذلك الكتاب فلم يعرفه، وروى عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه: أنه قيل لعليّ: ما لك أكثرَ أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم حديثًا؟ فقال: إنّي كنتُ إذا سألتُه أنبأني، وإذا سكت ابتدأني، وروى ابن عبّاس قال: إذا حدّثَنا ثِقَةٌ عن عليّ بِفُتْيَا لا نَعْدُوها، وروى علقمة، عن عبد الله قال: كنّا نتحدّث أنّ مِن أقْضَى أهلِ المدينة ابن أبي طالب، وروى أبو هُريرة قال: قال عمر بن الخطّاب: عليّ أقضَانَا، وروى سعيد بن المسيّب قال: خرج عمر بن الخطّاب على أصحابه يومًا فقال: أفتوني في شيء صنعتُه اليومَ! فقالوا: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: مَرّتْ بي جاريةٌ لي فأعجبتني فوقعتُ عليها وأنا صائم! قال: فعظّم عليه القوم وعليّ ساكتٌ، فقال: ما تقول يا ابن أبي طالب؟ فقال: جئتَ حَلالًا ويومًا مكان يومٍ! فقال: أنت خيرُهم فَتْوَى، وروى ابن عبّاس قال: خطبَنَا عمرُ فقال: عليّ أقضانا، وأُبَيّ أقرَؤنا، وإنّا لَنَترُْكُ أشياءَ مِمّا يقول أُبَيّ، إن أُبيًا يقول: سمعتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ولا أدعُ قول رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وقد نزل بعد أُبَيّ كتابٌ.
نزل الكوفة في الرحبة التي يُقال لها: رحبة عليّ في أخصاص كانت فيها، ولم ينزل القصر الذي كانت تنزله الولاة قبله، قال الفضل بن عبّاس بن عُتبة بن أبي لهب‏:
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الأَمْر مُنْصرَفٌ عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْها عَنْ أَبِي الحَسَن
أَلَيْـسَ أَوَّلَ مَنْ
صَلَّـى
لِقْبلَتِكُـمْ وَأَعْلَمَ
النـَّاسِ بِالقُـرْآنِ وَالسُّنَـن
وزاد أبو الفتح:
وَآخِرَ النَّاسِ عَهْدًا بِالنَّبـيِّ وَمَنْ جِبْرِيلُ عَوْنٌ لَهُ فِي الغُسْلِ وَالكَفَنِ
مَنْ فِيهِ مَا فِيهِم لَا تَمْتَـرُونَ بِـهِ وَلَيْسَ فِي القَوْمِِ مَا فِيهِ مِنْ الحَسَنِ
ومن أبيات لخزيمة بن ثابت بصفّين:
كُـلُّ خَيْرٍ يزينُهُـمْ فَهُوَ فِيهِ وَلَـهُ دُونَهُمْ خِصَـالٌ تَزِينُهْ
وقال إسماعيل بن محمد الحميري من شعر له:
سِائِلْ قُرَيشًا بِهِ إِنْ كُنْتَ ذَا عَمَـهٍ مَنْ كَانَ أَثْبَتَهَا فِي الدِّينِ أَوْتَـادَا
مَنْ كَانَ أَقْدَمَ
إِسْلَاَمًـا وَأَكْثَـرَهَا عِلْمًا وأَطْهَرَهَـا
أَهْـلًا وَأَوْلَادَا
مَنْ وَحّـدَ اللَّهَ إِذْ كَانَـْت مُكَذِّبَـةً تَدْعُو مَـعَ اللَّهِ
أَوْثَانَـا وَأَنْـدَادَا
مَنْ كَانَ يُقْدِمُ فِي الهَيْجَاءِ إِنْ نَكَلُوا عَنْهَا وَإِنْ يَبْخَلُوا فِي أَزْمَةٍ جَـادَا
مَنْ كَانَ أَعْدَلَهَا حُكْمًا وَأَبْسَطَهـا عِلْمًا وَأَصْدَقَهَـا وَعْـدًا وَإِيعَـادَا
إِنْ يَصْدُقُوكَ فَلَنْ يَعْدُوا أَبَا حَسَـنٍ إِنْ أَنْتَ لَمْ تَلْقَ لِلأَبْـرَارِ حُسَّـادَا
إِنْ أَنْتَ لَمْ تَلْقَ أَقْوَامًا ذَوِي صَلَفٍ وَذَا عِنَـادٍ لَحِـقِّ اللَّهِ جَحَّـادَا
وروى طارق قال:‏ جاء ناس إِلى ابن عبّاس فقالوا:‏ جئناك نسألك،‏ فقال:‏ سَلُوا عَما شئتم‏،‏ فقالوا:‏ أي رجل كان أبو بكر؟ فقال:‏ كان خيرًا كلّه ــ أو قال:‏ كان كالخير كلّه ــ على حِدَّةٍ كانت فيه،‏ قالوا:‏ فأَي رجل كان عمر؟ قال:‏ كان كالطّائر الْحَذِر الذي يظنُّ أنّ له في كل طريق شَرَكًا، قالوا:‏ فأَي رجل كان عثمان؟ قال:‏ رجل ألهته نَوْمته عن يقظته‏،‏ قالوا:‏ فأَيُّ رجل كان عليّ؟ قال:‏ كان قد ملئ جَوْفُه حكمًا، وعلمًا، وبأسًا، ونَجْدة مع قَرابته من رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وكان يظن ألّا يمدّ يده إِلى شيء إِلا ناله، فما مدّ يدَهُ إِلى شيء فناله، وروى عبد الله بن عمر قال‏:‏ قال عمر لأهل الشُّورى: ‏لله دَرُّهُم إن وَلَّوها الأصَيْلع! كيف يحملهم على الحقّ، ولو كان السيّف على عنقه‏،‏ فقلت‏:‏ أتعلم ذلك ولا توليه؟ قال:‏ إن لم أستخلف فأتركهم فقد تركهم مَنْ هو خيرٌ منّي‏، وروى محمد بن كعب القرظيّ، قال:‏ كان ممن جَمع القرآن على عهد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم وهو حيّ عثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود من المهاجرين، وسالم مولى أبي حُذيفة بن عتبة بن ربيعة مولى لهم ليس من المهاجرين، وروى الشّعبي، قال:‏ قال لي علقمة‏:‏ تَدْرِي ما مثل عليّ في هذه الأمّة؟ قلت‏:‏ ما مثله؟ قال‏:‏ مثل عيسى بن مريم؛ أحبّه قوم حتى هلكوا في حُبِّه، وأبغضه قوم حتى هلكوا في بغضه.
قال صَلَّى الله عليه وسلم في أصحابه:‏ ‏"‏أَقْضَاهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ"(*)، وروى إسماعيل بن أبي خالد، قال:‏ قلت للشّعبي‏:‏ إن المغيرة حلف بالله ما أخطأ عليٌّ في قضاءٍ قضى به قطّ،‏ فقال الشّعبي:‏ لقد أفرط، وروى سعيد بن المسيّب قال:‏ كان عمر يتعوَّذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن، وقال عليّ في المجنونة التي أمر برَجْمها، وفي التي وضعت لستّة أشهر، فأراد عمر رَجْمها ــ فقال له علي‏ّ: إِنّ الله تعالى يقول:‏ ‏{‏وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا...}‏‏ [‏الأحقاف 15‏‏] الحديث‏، وقال له:‏ إن الله رفع القلم عن المجنون... الحديث، فكان عمر يقول:‏ لولا عَليّ لهلك عُمَر، وروى أذينة بن مسلمة، قال:‏ أتيت عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فسألته:‏ من أين أعتمر؟ فقال:‏ إيت عليًّا فسله، فذكر الحديث‏... وفيه قال عمر:‏ ما أجد لك إلا ما قال عليّ، وسأل شريحُ بن هانئ عائشةَ أم المؤمنين رضي الله عنها عن المسح على الخفيّن، فقالت‏:‏ إيت عليًّا فسَلْه، وروى سعيد بن المسيّب قال:‏ ما كان أَحدٌ من النّاس يقول‏: سَلُوني غير عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله تعالى عنه، وروى عبد الملك بن أبي سُليمان، قال قلت لعطاء:‏ أكان في أصحاب محمّد صَلَّى الله عليه وسلم أَحَد أعلم من عليّ؟ قال‏: لا والله ما أَعلمه، وقالت عائشة‏: مَن أفتاكم بصوم عاشوراء؟ قالوا:‏ عليّ،‏ قالت‏:‏ أما إنه لأعلم النّاس بالسنّة.
وروى عبد الله بن عبّاس، قال:‏ والله لقد أُعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر، وروى سَعيد بن وهب، قال:‏ قال‏ عبد الله: أعلم أهل المدينة بالفرائض عليّ بن أبي طالب، وروى زِر بن حبيش قال‏:‏ جلس رجلان يتغدّيان، مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغداء بين أيديهما مرَّ بهما رجلٌ فسلّم، فقالا:‏ اجلس للغداء، فجلس، وأكل معهما، واستوفوا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام‏‏ الرّجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال:‏ خذا هذا عوضًا ممّا أكلت لكما، ونِلْتُه من طعامكما، فتنازعا، وقال صاحب الخمسة الأرغفة:‏ لي خمسة دراهم، ولك ثلاثة، فقال صاحب الثّلاثة الأرغفة‏: لا أَرْضَى إِلا أن تكون الدّراهم بيننا نصفين‏، وارتفعا إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقصَّا عليه قصَّتهما، فقال لصاحب الثّلاثة الأرغفة‏:‏ قد عرض عليك صاحبُك ما عرض، وخبزُه أكثر من خُبْزِك، فارْضَ بثلاثة،‏ فقال:‏ لا والله، لا رضيت منه إلا بمرِّ الحقّ،‏ فقال عليّ رضي الله عنه:‏ ليسَ لك في مُر الحق إلا درهم واحد وله سبعة،‏ فقال الرّجل:‏ سبحان الله يا أمير المؤمنين! وهو يعرض عليَّ ثلاثة فلم أرض، وأشرْتَ عليَّ بأخذها فلم أرْضَ، وتقول لي الآن:‏ إنه لا يجب في مُرّ الحقّ إلا درهم واحد، فقال له عليّ:‏ عرض عليك صاحبُك أن تأخذ الثلاثة صُلْحًا فقلتَ‏: لم أرض إلا بمُرّ الحقّ، ولا يجب لك بمرّ الحقّ إلا واحد، فقال له الرّجل:‏ فعرّفني بالوجه في مُرّ الحقّ حتى أقبله، فقال علي رضي الله عنه:‏ أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثًا أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا يعلم الأكثر منكم أكلًا، ولا الأقل، فتُحمِلون في أكلكم على السّواء! قال:‏ بلى‏، قال:‏ فأكلت أَنْتَ ثمانية أثلاث، وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاثٍ، وله خمسة عشر ثلثًا، أكل منها ثمانية ويبقى له سبعة، وأكل لك واحدًا من تسعة، فلك واحد بواحدك، وله سبعة بسبعته، فقال له الرّجل:‏ رضيت الآن‏.
وروى سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص‏:‏ قلت لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة:‏ يا عمّ، لو كان صغو الناس إلى عليّ! فقال:‏ يا ابْنَ أخي، إِنّ عليًّا عليه السلام كان له ما شئت من ضرس قاطع في العِلْمِ، وكان له البسطةُ في العشيرة، والقدمُ في الإسلام، والصّهر لرسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، والفقه في المسألة، والنجدة في الحرب، والجُود في الماعون، وقال معاوية بن أبي سفيان لضرار الصُّدائي‏: يا ضرار، صِفْ لي عليًّا،‏‏ قال:‏‏ أعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنَّه، قال:‏ أما إذْ لا بد من وصفه فكان والله بعيد المَدى، شديد القُوى، يقول فَصْلًا، ويحكم عدلًا، يتفجَّر العلم من جوانبه، وتنطِقُ الحِكْمَةُ من نواحيه‏، ويستوحش من الدّنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غَزير العَبْرة، طويل الفِكْرَة، يُعجِبُه من اللبّاس ما قصُر، ومن الطّعام ما خَشُن‏،‏ وكان فينا كأحَدِنا، يُجيبنا إذا سألناه، ويُنْبئنا إذا استنبأناه.‏ ونحن والله ــ مع تقريبه إيانا، وقُرْبه مِنّا ــ لا نكاد نكلَمه هَيْبَةً له،‏ يعظِّمُ أهل الدّين، ويُقرِّبُ المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، ولا ييئس الضعيفُ من عَدْله،‏ وأشهد أنه لقد رأيتُه في بعض مواقفه، وقد أرخى اللّيل سُدُولَه، وغارت نجومه، قابضًا على لحيته، يتململُ تَمَلْمُل السّليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول:‏ يا دُنيا غُرِّي غيري، ألِي تعرّضْت أمْ إليّ تشوَّفتِ! هيهات هيهات! قد باينْتُك ثلاثًا لا رجْعَةَ فيها، فعُمْرُك قصير، وخطَرك قليل،‏ آهٍ من قلَّةِ الزَّاد، وبُعد السفر، ووَحْشَةِ الطّريق، فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزْنُك عليه يا ضِرَار؟ قال:‏ حُزْن من ذُبح ولدها وهو في حِجْرها، وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسألَ له عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه عن ذلك، فلما بلغه قَتْله قال:‏ ذهب الفقه، والعلم بموْت ابن أبي طالب‏، فقال له أخوه عُتبة:‏ لا يَسْمَعُ هذا منك أهل الشّام، فقال له:‏ دعني عنك‏.
وروى أبو سعيد الخدريّ، وغيره، عن النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم أنه قال: ‏"‏تَمْرُقُ مَارِقةٌ فِي حِينِ اخْتِلَافٍ مِنَ المُسْلمِينَ يَقْتُلُها أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ‏"(*) ‏‏أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الزكاة حديث (150)، وأبوداود في السنن حديث رقم 4667، وأحمد في المسند 3/32، 97، والبيهقي في الدلائل 5/189، وابن عدي في الكامل 3/971، وذكره ابن حجر في فتح الباري 12/295، والهندي في كنز العمال حديث رقم 30948.، وروى أبو عبد الرّحمن السّلميّ قال:‏ ما رأيت أحدًا أقرأ من عليّ؛ صلَّيْنا خلفه، فقرأ بَرْزخًا، فأسقط حرفًا، ثم رجع فقرأه، ثم عاد إلى مكانه، فسَّرَ أهل اللّغة البرزخ هذا بأنه كان بين الموضع الذي كان يقرأ فيه وبين الموضع الذي كان أسقط منه الحرف، ورجع إليه ــ قرآن كثير‏. قالوا والبرزخ‏: ما بين الشيئين، وروى المطّلب بن عبد الله بن حنطب قال:‏ قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم لوَفد ثقيفِ حين جاءه‏: ‏"‏لَتُسْلِمَنّ أَوْ لأَبعَثنَّ رَجُلًا مِنِّي"‏ ــ أَوْ قَالَ‏: ‏"‏مِثْل نَفْسِي ــ فَلَيَضِرِبَنَّ أَعْنَاقَكُمْ، وَلَيسْبِيَنَّ ذَرَارِيكُمْ، وَلَيْأُخُذَّنَ أَمَوَالَكُمْ‏"‏‏ ‏أخرجه عبد الرزاق في مصنفه حديث رقم (20389).، قال عمر:‏ فوالله ما تمنَّيْتُ الإمارة إلا يومئذ، وجعلت أنصب صدري له رجاءَ أن يقول‏: هو هذا‏، قال:‏ فالتفت إلى عليّ رضي الله عنه فأخذ بيده ثم قال:‏ ‏"‏هُوَ هَذَا"(*)،‏ وروى جابر قال:‏ ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغض عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وسُئل الحسن بن أبي الحسن البصريّ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال‏: ‏كان عليّ والله سهمًا صائبًا من مَرامي الله على عدوّه، وربَّانيّ هذه الأمّة، وذا فضلها، وذا سابقتها، وذا قرابتها من رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، لم يكن بالنّومة عن أمر الله، ولا بالملومة في دين الله، ولا بالسروقة لمال الله، أَعْطَى القرآن عزائِمَه ففاز منه برياضٍ مُونِقة، ذلك عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يا لُكَع، وروى موسى بن طلحة، قال: كان علي بن أبي طالب، والزّبير بن العوّام، وطلحة بنُ عبيد الله، وسعد بن أبي وقّاص رضي الله عنهم عدادًا واحدًا.
روى ابن عبّاس قال:‏ قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم لعلي:‏ ‏"‏أَنْتَ أَخِي وَصَاحِبِي"(*)‏‏ أخرجه أحمد في المسند 1/230، وابن أبي شيبة 9/120، 12/86.، وروى أبو الطّفيل، قال:‏ لما احتضر عمر جعلها شَورى بين عليّ، وعثمان، وطلحة، والزّبير، وعبد الرّحمن بن عوف، وسَعْد، فقال لهم عليّ‏: أنشدكم الله؛ هل فيكم أحد آخى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بينه وبينه ــ إذ آخى بين المسلمين ــ غيري! قالوا:‏ اللّهمَّ لا(*)، وكان معه على حِرَاء حين تحرّك، فقال له:‏ ‏"‏اثْبُتْ حِرَاء فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ"‏‏(*)أخرجه الترمذي في السنن حديث رقم 3699، والحاكم في المستدرك 3/451، وابن حبان في صحيحه حديث رقم 2918، وابن ماجة في السنن حديث رقم 134، والبيهقي في الدلائل 6/351.، وكان عليه يومئذ العشرة المشهود لهم بالجنّة، وزوَّجه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في سنة اثنتين من الهجرة ابنتَه فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة ما خلا مريم بنت عمران‏، وقال لها:‏ ‏"‏زَوْجُكِ سَيِّدٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،‏ وإنه أول أصحابي إسلامًا، وأكثرهم علمًا، وأعظمهم حلمًا" ذكره القيسراني في تذكرة الموضوعات 112.‏، قالت أَسماء بنت عميس‏:‏ فرمقت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم حين اجتمعا جعل يدعو لهما، ولا يشرك في دعائهما أحدًا غيرهما، وجعل يدعو له كما دعا لها‏(*)، وروى بُريدة، وأبو هريرة، وجابر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، كل واحد منهم عن النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم أنه قال ــ يوم غدير خُمّ:‏ ‏"‏مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمّ واَلِ مَنْ وَالَاهُ، وَعادِ مَنْ عَادَاهُ‏"(*) وبعضهم لا يزيد على ‏"‏مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ‏"(*) ‏‏أخرجه الترمذي في السنن حديث رقم 3713.، ولما نزلت‏: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [‏الأحزاب 33‏] دعا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فاطمة، وعليًّا، وحسنًا، وحُسينًا رضي الله عنهم في بيت أم سلمة وقال:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ أَهْل بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهم تَطْهِيرًا‏"(*) ‏‏أخرجه البيهقي في السنن 2/150،والطبراني في الكبير 3/50، والعقيلي 3/304، والبخاري في التاريخ الكبير 2/110..
وروى طائفة من الصَّحابة أنَّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم قال لعليّ رضي الله عنه‏: "لَا يُحِبُّكَ إِلّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يَبْغَضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ‏"(*) أخرجه الترمذي في السنن حديث رقم 3736، والنسائي في السنن 8/116، وذكره الهيثمي في الزوائد 9/136، والهندي في كنز العمال حديث رقم 32878، 33028.، وكان عليّ رضي الله عنه يقول:‏ ‏"‏وَاللَّه إِنَّه لَعَهد النّبيّ الأُميّ إِليَّ أَنَّهُ لَا يُحِبُّني إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يَبْغَضُنِي إِلَّا مُنَافِقٌ‏"(*)، وقال له رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم‏: ‏"‏يَا عَلِيُّ، أَلَّا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ غَفَرَ اللَّه لَكَ، مَع أَنَّك مَغْفُورٌ لَكَ‏"؟ ‏ قال:‏ قلت:‏ بلى،‏ قال:‏ ‏"‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْعَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِله إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ العُرْشِ الْكَرِيمِ‏"‏‏(*) أخرجه الترمذي في السنن حديث رقم 3504، وأحمد في المسند 1/153، 158، وابن حبان في صحيحه حديث رقم 2206، وذكره الهيثمي في الزوائد 9/136، والهندي في كنز العمال حديث رقم 2084، 3959، 3473، 4979، 4994، 5059.،‏ وقال صَلَّى الله عليه وسلم‏: ‏"‏يَهْلَكُ فِيكَ رَجُلَانِ:‏ مُحّبٌ مُفْرِطٌ، وَكَذَّابٌ مُفْتَرٍ"(*)‏‏‏، وقال له:‏ ‏"‏تَفْتَرِقُ فِيكَ أُمَّتِي كَمَا افْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائيلَ فِي عِيسَى"(*)‏‏ ‏أخرجه أحمد في المسند 1/160.، وقال صَلَّى الله عليه وسلم:‏ ‏"‏مَنْ أَحَبَّ عَليًّا فَقَدْ أَحبَّني، وَمَنْ أَبْغَضَ عَلِيًّا فَقَدْ أَبْغَضَنِي، وَمَنْ آذَى عَلِيَّا فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقْد آذى اللَّهَ‏"(*) أخرجه الحاكم في المستدرك 3/130، وذكره الهيثمي في الزوائد 9/135، والهندي في كنز العمال حديث رقم 32902، 33024.، ففضائلَه رضي الله عنه لا يحيط بها كتاب، وقد أكثر النّاس من جمعها.
قال أحمد بن حنبل، وإسماعيل بن إسحاق القاضي‏:‏ لم يرْو في فضائل أحدٍ من الصّحابة بالأسانيد الحِسان ما رُوي في فضائل عليّ بن أبي طالب‏؛ وكذلك قال أحمد بن شعيب بن علي النّسائي رحمه الله، وقال يحيى بن مَعين:‏ مَنْ قال أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم، وعرَفَ لعليّ سابقته وفَضْلَه فهو صاحبُ سنّة، ومَنْ قال أبو بكر، وعمر، وعلي، وعثمان وعرف لعثمان سابقتَه وفَضْلَه فهو صاحبُ سنّة، فذكرْتُ له هؤلاء الذين يقولون:‏ أبو بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم ويسكتون، فتكلّم فيهم بكلامٍ غليظ، وقال يحيى بن معين:‏ خير هذه الأمة بعد نبينا أبو بكر وعمر؛ ثم عثمان، ثم عليّ، هذا مذهبنا وقول أئمتنا،‏ وكان يحيى بن معين يقول‏: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وعثمان، قال أبو عمر‏: من قال بحديث ابن عمر‏:‏ كنا نقول على عهد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان ثم نسكت ــ يعني فلا نُفاضِلُ ــ وهو الذي أنكر ابن مَعين، وتكلّم فيه بكلام غليظ؛ لأن القائل بذلك قد قال بخلاف ما اجتمع عليه أهلُ السّنّة من السّلف والخلَف من أهل الفقه والأثر: أنّ عليًا أفضلُ النّاس بعد عثمان رضي الله عنه، وهذا مما لم يختلفوا فيه، وإنما اختلفوا في تفضيل عليّ وعثمان، واختلف السّلف أيضًا في تفضيل عليّ وأبي بكر، وفي إجماع الجميع الذي وصَفْنا دليل على أنّ حديث ابن عمر وَهْمٌ وغلط، وأنه لا يصحُّ معناه، وإن كان إسناده صحيحًا.
ولقد كان عليّ رَضِيَ الْلَّهُ عَنْهُ زاهدًا عادلًا، فقد روى عبد اللّه بن حنيف قال: قال يوسف بن أَسباط: الدنيا دار نعيم الظالمين قال: وقال علي بن أَبي طالب: الدنيا جيفة، فمن أَراد منها شيئًا، فليصبر على مخالطة الكلاب، وروى عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول لعلي بن أَبي طالب: "يَا عَلِيُّ، إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ قَدْ زيّنَكَ بِزِيْنَةٍ لَمْ يَتَزَيَّنِ العِبَادُ بِزِيْنَةِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهَا: الْزَّهْدُ فِي الْدُّنْيَا، فَجَعَلَكَ لاَ تَنَالُ مِنَ الْدُّنْيَا شَيْئًا، وَلاَ تَنَالُ الْدُّنْيَا مِنْكَ شَيْئًا، وَوَهَبَ لَكَ حُبَّ الْمَسَاكِيْنِ، وَرَضُوا بِكَ إِمَامًا، وَرَضَيتَ بِهِمْ أَتْبَاعًا، فَطُوبَي لِمَنْ أَحَبَّكَ وَصَدَقَ فِيْكَ، وَوَيْلٌ لِمَنْ أَبْغَضَكَ وَكَذَبَ عَلَيْكَ؛ فَأَمَّا الَّذِيْنَ أَحَبُّوكَ وَصَدَقُوا فِيْكَ، فَهُمْ جِيْرَانُكَ فِي دَارِكَ، وَرُفَقَاؤُكَ فِي قَصْرِكَ، وَأَمَّا الَّذِينَ أَبْغَضُوكَ وَكَذَبُوا عَلَيْكَ، فَحَقٌّ عَلَى الله أَنْ يُوقِفَهُمْ مَوْقِفَ الْكَذَّابِيْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(*)، وروى محمد بن كعب القُرَظِي قال: سمعت علي بن أَبي طالب يقول: لقد رأَيتني وإِني لأَربط الحجر على بطني من الجوع، وإِن صدقتي لتبلغ اليوم أَربعة آلاف دينار، وقيل: أَربعين أَلف دينار، ولم يرد بقوله: "أَربعين أَلفًا" زكاة ماله، وإِنما أَراد الوقوف التي جعلها صدقة كان الحاصل من دخلها صدقة هذا العدد، فإِن أَمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه لم يَدَّخر مالًا، ودليله ما قاله ابنه الحسن رضي الله عنهما في مقتله أَنه لم يترك إِلا ستمائة درهم، اشترى بها خادمًا.
وروى سفيان قال: ما بنى عليٌّ لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، وإِن كان ليؤتي بجبوته من المدينة في جراب، وروى أبو بحر، عن شيخ لهم قال: رأَيت على عَلِيٍّ عليه السلام إِزارًا غليظًا، قال: اشتريته بخمسة دراهم، فمن أَربحني فيه درهمًا بعته قال: ورأَيت معه دراهم مصرورة، فقال: هذه بقية نفقتنا من ينبع، وروى أَبو النوار بيَّاع الكرابيس قال: أَتاني علي بن أَبي طالب ومعه غلام له، فاشترى مني قميصَيْ كرابيس، فقال لغلامه: اختر أَيَّهما شئت، فأَخذ أَحدهما، وأَخذ عليٌّ الآخر، فلبسه، ثم مد يده فقال: اقطع الذي يفضل من قدر يدي، فقطعه وكفه، ولبسه وذهب، وروى ابن عبّاس قال:‏‏ بينا أنا أمشي مع عمر يومًا إذ تنفس نفَسًا ظننت أنه قد قُضبت أضلاعه، فقلت‏:‏ سبحان الله! والله ما أَخْرَج منك هذا يا أمير المؤمنين إلا أمرٌ عظيم،‏ فقال‏:‏ ويحك يابن عبّاس! ما أدري ما أصنع بأمِّة محمّدٍ صَلَّى الله عليه وسلم‏، قلت‏: ولِمَ وأنت بحمد الله قادر أن تضع ذلك مكان الثقة؟ قال‏: ‏ إني أراك تقول:‏ إن صاحبك أولى النّاس بها ـــ يعني عليًّا رضي الله عنه،‏‏ قلت‏:‏ أجل، والله إني لأقول ذلك في سابقته، وعِلْمِه، وقرابته، وصهره،‏ قال‏:‏ إنه كما ذكرت، ولكنه كثير الدّعابة،‏ فقلت‏: ‏فعثمان؟ قال‏: ‏فوالله لو فعلت لجعل بني أبي مُعَيْط على رِقَاب النّاس، يعملون فيهم بمعصية الله، والله لو فعلت لفعل، ولو فعل لفعلوه؛ فوثب النّاس عليه فقتلوه،‏ فقلت: طلحة بن عبيد الله؟ قال‏:‏ الأكيسع! هو أزهى من ذلك، ما كان الله ليراني أولّيه أَمْرَ أمةِ محمّد صَلَّى الله عليه وسلم، وهو على ما هو عليه من الزَّهْو،‏ قلت‏:‏ الزّبير بن العوّام؟ قال:‏ إذًا يلاطم النّاس في الصاع والمُدّ.‏ قلت‏:‏ سعد بن أبي وقاص؟ قال‏: ‏ليس بصاحب ذلك، ذاك صاحبُ مِقْنَب يقاتل به،‏ قلت‏:‏ عبد الرّحمن بن عوف؟ قال:‏ نعم‏‏ الرّجل ذكَرْتَ، ولكنه ضعيف عن ذلك، والله، يا ابن عبّاس، ما يصلح لهذا الأمر إلا القويّ في غير عُنْف، اللّين في غير ضعف، الجواد في غير سَرف، الممسك في غير بخل،‏‏ قال ابن عبّاس:‏ كان عمر والله كذلك‏
وروى ابن عباس في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} قال: نزلت في علي بن أَبي طالب، كان عنده أَربعة دراهم، فأَنفق بالليل واحدًا، وبالنهار واحدًا، وفي السر واحدًا، وفي العلانية واحدًا، وروى ربعي بن حِرَاش قال حدثنا علي بن أَبي طالب بالرحَبَةِ قالَ: "لما كان يوم الحديبية خَرَج إِليه ناس من المشركين؛ فيهم: سُهَيل بن عمرو، وأُناس من رؤساءَ المشركين، فقالوا: خرج إِليك ناس من أَبنائنا، وإخواننا، وأَرقَّائنا، وليس بهم فقه في الدين، وإِنما خرجوا فرارًا من أَموالنا وَضِياعنا، فارددهم إِلينا، فقال النبي صَلَّى الله عليه وسلم: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَتَنْتَهُنّ أَوْ لَيَبْعَثَنَّ الله عَلَيْكُمْ مَنْ يَضْرِبُ رِقَابَكَمْ بِالْسَّيْفِ عَلَى الْدِّيْنِ" أخرجه مسلم في الصحيح 4/1871 كتاب فضائل الصحابة (44) باب فضائل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه (4) حديث رقم (32/2404) والترمذي في السنن 5/328 كتاب تفسير القرآن (48) باب ومن سورة الأحزاب حديث رقم 3205 وأحمد في المسند 1/185، 4/107، 6/292، وابن حبان في صحيح حديث رقم 2245 والبيهقي في السنن 2/152.، "قَدْ امْتَحَنَ قَلْبَهُ عَلَى الْإِيْمَانِ"، قَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ الله؟ وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "خَاصِفُ الْنَّعْلِ"، وَكَانَ قَدْ أَعْطَى عَلِيًّا نَعْلًا يَخْصِفُهَا ــ قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا عَلِيٌّ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ الْنَّارِ"(*) أخرجه البخاري في الصحيح كتاب الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل، والترمذي في السنن 5 / 39 كتاب العلم (42) باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل (13) حديث رقم2669.، وروت أُم عطية قالت: بعث رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم جيشًا فيهم علي، قالت: فسمعتُ رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "الْلَّهُمَّ، لاَ تُمِتْنِي حَتَّى تًرَيْنِي عَلِيًّا"(*) أخرجه الترمذي في السنن 5/601 كتاب المناقب (50) باب (21) حديث رقم 3737 والبخاري في التاريخ الكبير 9/20.، وروى عامر بن سعد، عن سعد أَنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم يَقُولُ لِعَلِيٍّ: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوْسَى؛ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي"(*)، قَالَ سَعِيْدٌ ــ أحد الرواة ــ: فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُشَافِهَ بِذَلِكَ سَعْدًا، فَلَقِيتُهُ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا ذَكَرَ لِي عَامِرٌ، فَقُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي أَذُنَيْهِ وَقَالَ: نَعَمْ وَإِلاَّ فَاسْتَكَتَا أخرجه البخاري في الصحيح 5/24 كتاب فضائل أصحاب النبي صَلَّى الله عليه وسلم باب مناقب علي رضي الله عنه ومسلم في الصحيح 4/1870 كتاب فضائل الصحابة (44) باب فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه (4) حديث رقم (30/ 2404) والترمذي في السنن 5/598 كتاب المناقب باب (50) باب (21) حديث رقم 3730 وابن ماجة في السنن 1/45 المقدمة. باب فضل علي بن أبي طالب (11) حديث رقم 121، وأحمد في المسند 1/179/32، 6/369 والمتقي الهندي في كنز العمال حديث رقم 14242، 32881، 36470..
وروى أبو الزبير، عن جابر قال: لما كان يوم الطائف دعا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم عَلِيًّا فَنَاجَاهُ طَوِيْلًا، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَقَدْ أَطَالَ نَجْوَى ابْنِ عَمِّهِ قَالَ ــ يَعْنِي: رَسُولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم "مَا أَنَا انْتَجَيْتُهُ، وَلَكِنَّ الله انْتَجَاهُ"(*) أخرجه الترمذي في السنن 5/597 كتاب المناقب (50) باب 21 حديث رقم 3726.، وروى عمران بن حصين قال: بعث رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم جيشًا، واستعمل عليهم عَلِيّ بن أَبي طالب، فمضى في السرية، فأَصاب جارية، فأَنكروا عليه، فتعاقد أَربعة من أَصحاب النبي صَلَّى الله عليه وسلم فقالوا: إِذا لقينا رسول الله أَخبرناه بما صنع علي، وكان المسلمون إِذا رجعوا من سفر بدأوا برسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فسلموا عليه، ثم انصرفوا إِلى رحالهم، فلما قدمت السرية سلموا على رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فقام أَحدُ الْأَرْبَعَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَلَمْ تَرَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صَنَعَ كَذَا وَكَذَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ الله، ثُمَّ قَامَ الْثَّانِي فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَامَ الْثَّالِثُ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَأَعْرَضَ عَنْه، ثُمَّ قَامَ الْرَّابعُ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالُوا، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم وَالْغَضَبُ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: "مَا تُرِيْدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ مَا تُرِيْدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ مَا تُريِْدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنا مِنْ عَلِيٍّ، وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ بَعْدِي"(*) أخرجه الترمذي في السنن 5/591 كتاب المناقب (50) باب مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه (20) حديث رقم 3712. والحاكم في المستدرك 3/100 وابن حبان في صحيحه حديث رقم 2203، وابن أبي شيبة في المصنف س12/79.، وروى يزيد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة قال: إِنما وَجِد جيش عليّ الذين كانوا معه باليمن عليه، لأَنهم حين أَقبلوا خلف عليهم رجلًا، وتعجَّل إِلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يخبره الخبر، فعمد الرجل فكسا كلَّ رجل منهم حُلَّة، فلما دنوا خرج علي يستقبلهم، فإِذا عليهم الحُلَل، فقال علي: ما هذا؟ قالوا: كسانا فلان، قال: فما دعاك إِلى هذا قبل أَن تَقْدُم على رسول الله فيصنع ما شاءَ؟ فنزع الحلل منهم، فلما قدموا على رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم شكوه لذلك، وكان أَهل اليمن قد صالحوا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وإِنما بعث عليًا على جزية موضوعة.
وروى هلال بن يساف، عن ابن ظالم قال: جاءَ رجل إِلى سعيد بن زيد ــ يعني ابن عمرو بن نُفَيل ــ فقال: إِني أَحببت عليًا حبًا لم أحبه أَبدًا، قال: أَحببتَ رجلًا من أَهل الجنة، ثم أَنه حدثنا قال: كنا مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم على حِرَاءَ، فذكر عشرة في الْجَنَّةِ: "أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالْزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ الْرَّحْمَنِ ابْنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مَسْعُودٍ"، وروى جابر بن عبد اللّه قال: كنا مع النبي صَلَّى الله عليه وسلم في سور بالمدينة، فقال: "يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَهَنَّيْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ: "يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ": فَجَاءَ عُمَرُ فَهَنَّيْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ: "يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، قَالَ: وَرَأَيْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم يُصْغِي رَأْسَهُ مِنْ تَحْتِ السَّعَفِ وَيَقُولُ: "الْلَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ عَلِيًّا"، فَجَاءَ عَلِيٌّ فَهَنَّيْنَاهُ"(*) أخرجه أحمد في المسند 3/356، 380.، وروت أُم سلمة: أَن النبي صَلَّى الله عليه وسلم جَلَّلَ عَلِيًّا، وَفَاطِمَة،َ وَالْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ كِسَاءً ثُمَّ قَالَ: "الْلَّهُمَّ هَؤْلاَءِ أَهْلُ بَيْتِي وَخَاصَّتِي" أخرجه أحمد في المسند 6/292، 304.، "الْلَّهُمَّ، أَذْهِبْ عَنْهُمُ الْرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيْرًا"، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَنَا مِنْهُمْ، قَالَ: "إِنَّكَ إِلَى خَيْرٍ"(*). وروى علي بن الحسين، عن أَبيه، عن جده علي بن أَبي طالب: أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم أَخَذَ بِيَدِ حَسَنٍ وَحُسَينٍ وَقَالَ: "مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ وَأَبَاهُمَا وَأُمَّهُمَا، كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(*) أخرجه الترمذي في السنن 5/599 كتاب المناقب (50) باب (21) حديث رقم 3733 وأحمد في المسند 1/76، 77، والمتقي الهندي في كنز العمال حديث رقم 34161، 37613.، وروى الحسن قال: سمعت أَنس بن مالك يقول: أُهدِي لرسول الله صَلَّى الله عليه وسلم طَيْرٌ فَقَالَ: "الْلَّهُمَّ ائْتِنِي بِرَجُلٍ يُحِبُّهُ الله وَيُحِبُّهُ رَسُولُه"، قَالَ أَنَسٌ: فَأَتَى عَلِيٌّ فَقَرَعَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم مَشْغُولٌ، وَكُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى الْثَّالِثَةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم: "يَا أَنَسُ، أَدْخِلْهُ فَقَدْ عَنَيْتُهُ"، فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ: "الْلَّهُمَّ وَالِ، الْلَّهُمَّ وَالِ"(*) انظر تخريج الحديث السابق..
روى عليٌ عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم فأَكثر، وروى عن عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، وروى عنه بنوه الحسن، والحسين، ومحمد، وعمر، وروى عنه عبد اللّه بن مسعود، وابن عمر، وعبد اللّه بن جعفر، وعبد اللّه بن الزبير،، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وأَبو موسى الأَشعري، وأَبو سعيد الخدري، وأَبو رافع، وصهيب، وزيد بن أَرقم، وجابر بن عبد اللّه، وأَبو أُمامة، وأَبو سَرِيحة حذيفة بن أَسِيد، وأَبو هريرة، وسَفينة، وأَبو حُجَيفة السُّوائي، وجابر بن سَمُرة، وعمرو بن حُرَيث، وأَبو ليلى، والبراءُ بن عازب، وعُمَارة بن رُوَيبة، وبشْر بن سُحيم، وأَبو الطفيل، وعبد اللّه بن ثعلبة بن صُعَير، وجرير بن عبد اللّه، وعبد الرحمن بن أُشَيم، وغيرهم من الصحابة، وروى عنه من التابعين: سعيد بن المسيب، ومسعود بن الحكم الزرقي، وقيس بن أَبي حازم، وعَبيدة السلماني، وعلقمة بن قيس، والأَسود بن يزيد، وعبد الرحمن بن أَبي ليلى، والأَحنف بن قيس، وأَبو عبد الرحمن السلمي، وأَبو الأَسود الدِّيلي، وزِرّ بن حُبِيش، وشريح بن هانئ، والشعبي، وشَقِيق، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وطارق بن شهاب، و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، ومروان بن الحكم، وخلق كثير غيرهم، فقد روى أبو البَخْتري، عن علي قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم إِلَى الْيَمَن، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، تَبْعَثُنِي إِلَى الْيَمَنِ، وَيَسْأَلُونِي عَنْ الْقَضَاءِ، وَلاَ عِلْمَ لِي بِهِ! قَالَ: "ادْنُ"، فدنوْتُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: "الْلَّهُمَّ ثَبِّتْ لِسَانَهُ، وَاهْدِ قَلْبَهُ" أخرجه أحمد في المسند 1/111 والحاكم في المستدرك 3/135 وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.، فلا والذي فلق الحبة، وَبَرأَ النسمة ما شككتُ في قضاء بين اثنين.
وروى أبو الطّفيل قال: دعا عليٌّ النّاسَ إلى البيعة، فجاءَ عبد الرّحمن بن ملجم المرادي فردّه مرّتين، ثمّ أتاه فقال: ما يَحْبِسُ أشقاها، لَتُخْضَبَنّ أو لَتُصَبغنَّ هذه من هذا، يعني: لحيته من رأسه، ثمّ تمثّل بهذين البيتين‏:
اُشْدُدْ حَيازيمَكَ للمَوتِ فَإنّ الـمَوتَ لاقِيكا
ولا تَـجْزَعْ
من القَتْـلِ إذا حلّ
بوادِيـكا
قال محمّد بن سعد: وزادني غير أبي نعيم في هذا الحديث بهذا الإسناد، عن عليّ بن أبي طالب والله إنّه لَعَهْدُ النّبيّ الأمّيّ صَلَّى الله عليه وسلم إلَيّ.
وروى عثمان بن صهيب، عن أبيه أنّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم قال لعلي:‏ ‏"‏مَنْ أَشْقَى الأَوَّلِين‏"‏؟ قال:‏ الذي عقر النّاقة ــ يعني ناقة صالح،‏ قال‏:‏ ‏"‏صَدَقْتَ، فَمَنْ أَشْقَى الآَخِرِينَ‏"؟‏ قال:‏ لا أدري،‏ قال:‏ ‏"‏الَّذِي يُضْرِبُكَ عَلَى هَذَا‏"‏ ــ يعني: يافوخه‏:‏‏ "وَيَخْضِبُ هَذِهِ"أخرجه الطبراني في الكبير 8/45، والخطيب 1/135، وذكره الهيثمي في الزوائد 9/139، والهندي في كنز العمال حديث رقم 36429، 36563، 36577، 36578، 36587. ــ يعني: لحيته(*)، وروى ثعلبة الحِمَّاني أنه سمع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول:‏ والذي فلق الحبَّة، وبرأ النسمة، لتخضبنَّ هذه ــ يعني: لحيته، من دم هذا ــ يعني رأسه‏، وذكر النّسائيّ، من حديث عمار بن ياسر، عن النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم أنه قال لعليّ رضي الله عنه:‏ ‏"‏أشقى النّاس الذي عقر النّاقة، والذي يضربك على هذا‏"‏ ــ ووضع يده على رأسه "حتى يخضب هذه"‏ ــ يعني لحيته(*)أخرجه أبو نعيم في الحلية 4/307.. وذكره الطّبري، وابن أبي خيثمة، وابن إسحاق في السِّيَرِ، وغيرهما، وكان قتادة يقول:‏ قُتل عليّ رضي الله عنه على غير مالٍ احتجبه، ولا دنيا أصابها، وكان علي رضي الله عنه كثيرًا ما يقول:‏ ما يمنع أشقاها؟ أو ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من دمِ هذا؟، يقول:‏ والله ليخضبن هذه من دم هذا ــ ويشيرُ إِلى لحيته ورأسه ــ خضاب دم، لا خضاب عِطْر، ولا عَبير، وروى سكين بن عبد العزيز العبديّ أنه سمع أباه يقول:‏ جاء عبد الرّحمن بن ملجم يستحمل عليًا فحمله، ثم قال‏:
أُرِيـدُ حَيَاتـَهُ وَيُرِيـدُ قَتْلِي عَذِيـرِي مِنْ خَلِيـليِ مِنْ مُـرَادِ
أما إن هذا قاتلي،‏ قيل‏:‏ فما يمنعك منه؟ قال:‏ إنه لم يقتلني بعد،‏ وأُتي عليّ رضي الله عنه فقيل له:‏ إِن ابن مُلجم يسمّ سيفه‏، ويقول‏:‏ إنه سَيْفتكُ بك فتْكةً يتحدَّث بها العرب، فبعث إليه، فقال له:‏ لم تسمُّ سيفك؟ قال: لعدوّي وعدوّك،‏ فخلّى عنه، وقال‏: ما قتلني بعد‏.
وبُويع لعليّ رضي الله عنه بالخلافة يوم قُتل عثمان رضي الله عنه، واجتمع على بَيْعَته المهاجرون والأنصار، وتخلَّف عن بيعته منهم نَفَر، فلم يَهجْهُم، ولم يكرههم وسئل عنهم فقال:‏ أولئك قوم قعدوا عن الحقّ، ولم يقوموا مع البَاطل، وفي رواية أخرى:‏ أولئك قوم خَذَلوا الحقَّ، ولم ينصروا الباطل،‏ وتخلّف أيضًا عن بَيْعته معاوية، ومن معه في جماعةِ أهل الشّامِ، فكان منهم في صِفّين بعد الجمل ما كان؛ تغمد الله جميعهم بالغفران، وكان عليُّ رضي الله عنه يسير في الفيء مسيرة أبي بكر الصّدّيق في القسم، إذا ورد عليه مال لم يُبْقِ منه شيئًا إلا قسمه، ولا يترك في بيت المال منه إلا ما يعجز عن قسْمَته في يَوْمه ذلك، ويقول:‏ يا دنيا غُرِّي غيري،‏ ولم يكن يستأثر من الفيّ ء بشيء، ولا يخصُّ به حميمًا، ولا قريبًا، ولا يخصُّ بالولايات إلا أهل الدّيانات، والأمانات، وإذا بلغه عن أحدهم خيانة كتب إليه‏: "قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُم، فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالِميزَانَ بِالْقِسْطِ، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُم، وَلَا تَعْثَوَا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينِ،‏ بَقِيَّةٌ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُم إِنْ كُنْتُم مُؤْمِنيِنَ‏، وَمَا أَنَا عَلَيّكُم بِحَفِيظٍ"‏ إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من أعمالنا حتى نبعث إليك من يتسلّمه منك، ثم يرفع طَرْفَه إلى السّماء، فيقول: "اللّهم إِنك تعلم أني لم آمرهم بظُلْمِ خلقك، ولا بِتَرْك حقك"، وخطبُهُ، ومواعظُهُ ووصاياهُ لعُمَّاله إِذْ كان يخْرِجهم إِلى أعمالِهِ كثيرة مشهورة، وثبت عن الحسن بن علي من وجوهٍ أنه قال:‏ لم يترك أبي إِلَّا ثمانمائة درهم أو سبعمائة فضلت من عطائه، كان يعدها لخادم يشتريها لأهله.
واشتهر عليّ رضي الله عنه بتقشفه في لباسه، ومطعمه، فقد روى عبد الله بن أبي الهذيل، قال: رأيت عليًّا خرج وعليه قميص غليظ دارس، إذا مدّ كُمَّ قميصه بلغ إلى الظّفر، وإذا أرسله صار إلى نصف السّاعد، وروى أبجر بن جُرموز، عن أبيه قال‏: رأيت عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه يخرج من الكوفة وعليه قِطْريتان متزرًا بالواحدة مترديًا بالأخرى، وإزاره إلى نصف الساق، وهو يطوف في الأسواق، ومعه دِرّة، يأمرهم بتقوى الله، وصِدْق الحديث، وحُسن البيع، والوفاء بالكيل والميزان، وروى مجمع التيميّ أن عليًا قسم ما في بيت المال بين المسلمين، ثم أمر به فكنِس ثم صلّى فيه، رجاء أن يشهد له يوم القيامة، وروى عاصم بن كليب، عن أبيه قال:‏ قدم عَلَى عَلِيٍّ مالٌ من أصبهان، فقسّمه سبعة أسباع، ووجد فيه رغيفًا، فقسمه سبع كسر، فجعل على كل جزء كِسْرَة، ثم أقرع بينهم أيُّهم يُعطي أولًا،‏ وأخباره في مثل هذا من سيرته لا يحيط بها كتاب، وروى معاذ بن العلاء ــ أخو عمرو بن العلاء ــ عن أبيه، عن جدّه قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول:‏ ما أصبتُ من فيئكم إلا هذه القارُورة، أهدادها إليَّ الدّهقان، ثم نزل إلى بيت المال، ففرَّق كلَّ ما فيه، ثم جعل يقول:
أَفْلَحَ مَنْ كَانَتْ لَهُ قَوْصَـرَّهْ يَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ مَرَّه
وروى عنترة الشيّباني، قال:‏ كان علي يأخذ في الجزية والخراج من أهل كل صناعة من صناعته وعَمل يده حتى يأخذ من أهل الإبر الإبر، والمسالّ، والخيوط، والحبال، ثم يقسّمه بين النّاس، وكان لا يدع في بيت المال مالًا يبيت فيه حتى يقسّمه، إلا أن يغلبه فيه شُغل، فيصبح إليه وكان يقول:‏ يا دنيا لا تغرّيني، غَرِّي غيري، وينشد‏:
هَذَا جَنَايَ وَخِيَارُهُ فِيهِ وَكُلُّ جَانٍ يَدُه إِلَى فِيهِ
وروى عبد الرّزّاق بسنده، عن حذيفة قال:‏ ‏قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم‏: ‏"‏إِن وَلّوا عَلِيًا فَهَادِيًا مهْدِيًا"‏‏(*)، وروى إِسحاق بن كعب بن عُجْرة قال‏:‏ قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم:‏ ‏"‏عليٌّ مُخشَوْشِنٌ فِي ذَاتِ اللَّهِ‏"(*)، وروى عبد الملك بن عمير قال: حدثني رجل من ثقيف قال: استعملني علي بن أَبي طالب على مدرج سابور، فقال: لا تضربن رجلًا سوطًا في جباية درهم، ولا تَتَّبِعَنّ لهم رزقًا، ولا كسوة شتاءً، ولا صيفًا، ولا دابة يعتملون عليها، ولا تقيمن رجلًا قائمًا في طلب درهم، قلت: يا أَمير المؤمنين، إِذن أَرجع إِليك كما ذهبت من عندك، قال: وإِن رجعت ويحك! إِنما أُمرنا أَن نأْخذ منهم العفو ــ يعني الفضل، وزهده وعدله رضي اللّه عنه لا يمكن استقصاءَ ذكرهما.
ولما قُتل عثمان بايعه الناس، ثم كان مِن قيام جماعةٍ من الصحابة منهم طلحة، والزبير، وعائشة في طلب دَمِ عثمان، فكان مِن وقعة الجمل ما اشتهر، ثم قام معاوية في أهل الشام، وكان أميرها لعثمان ولعُمر مِنْ قَبْله، فدعا إلى الطلب بدم عثمان، فكان من وقعة صِفّين ما كان، وكان رَأْي عليٍّ أنهم يدخلون في الطاعة، ثم يقوم وَلِيّ دم عثمان فيدّعي به عنده، ثم يعمل معه ما يوجبه حكم الشريعة المطهّرة، وكان مَنْ خالفه يقول له: تَتَبَّعْهم واقتلهم؛ فيرى أنّ القِصَاص بغير دعوى ولا إقامة بينة لا يتَّجِه، وكل من الفريقين مجتهد، وكان من الصحابة فريق لم يدخلوا في شيء من القتال، وظهر بقَتل عمَّار أنَّ الصواب كان مع علي، واتفق على ذلك أهلُ السنة بعد اختلافٍ كان في القديم، ولله الحمد. ومن خصائص عليّ قوله صَلَّى الله عليه وسلم ما أخرجه أَحْمَدُ، والنَّسَائِيُّ، من طريق عمرو بن ميمون: إني لجالس عند ابن عباس إذ أتاه سبعةُ رهطٍ... فذكر قصةَ فيها: قد جاء ينفض ثَوْبه، فقال: وقعوا في رَجُل له عزّ، وقد قال النبي صَلَّى الله عليه وسلم: "لأبْعَثنَّ رَجُلًا لَا يُخْزِيهِ اللهُ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَه"، فجاء وهو أَرْمَد فبزق في عينيه، ثم هزّ الراية ثلاثًا فأعطاه، فجاء بصفية بنت حييّ، وبعثه يقرأ براءة على قريش، وقال: "لَا يَذْهَبُ إِلَّا رَجُلٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ"(*)أخرجه ابن ماجه في السنن 1/43، وأورده الهيثمي في الزوائد 9/122.، وروى زيد بن يُثَيع، عن علي قال: قيل: يَا رَسُولَ الله، مَنْ يُؤَمَّرُ بَعْدَكَ؟ قَالَ: "إِنْ تُؤَمِّرُوا أَبَا بَكْرِ تَجِدُوهُ أَمِينًا زَاهِدًا فِي الْدُّنْيَا، رَاغِبًا فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ تُؤمِّرُوا عُمَرَ تَجِدُوهُ قَوِيًّا أَمِيْنًا، لاَ يَخَافُ فِي الله لَوْمَةَ لاَئِم، وَإِنْ تُؤَمِّرُوا عَلِيًّا ــ وَلاَ أَرَاكُمْ فَاعِلِيْنَ ــ تَجِدُوهُ هَادِيًا مَهْدِيًا، يَأْخُذُ بِكُمْ الْصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" أخرجه أحمد في المسند 1/108، 109.، وروى الصُّنَابحي، عن عليٍّ قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم: "أَنْتَ بِمَنْزِلَةِ الْكَعْبَةِ، تُؤْتَى وَلاَ تَأْتِي، فَإِنْ أَتَاكَ هَؤُلاَءِ الْقَوْمُ فَسَلَّمُوهَا إِلَيْكَ" ــ يَعْنِي الْخِلَافَةَ ــ "فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَأَتُوكَ فَلَا تَأْتِهِمْ حَتَّى يَأْتُوكَ"(*) ذكره ابن عرافة الكناني في تنزيه الشريعة 1/399.، وروى يحيى بن عروة المرادي قال: سمعت عليًا رضي الله عنه يقول: قُبض النبيُّ صَلَّى الله عليه وسلم وأَنا أَرَى أَني أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْر، فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَبِي بَكْرِ، فَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ، ثم إِنَّ أَبَا بَكْرٍ أُصِيبَ، فَظننت أنَّهُ لاَ يَعْدِلُهَا عَنِّي، فَجَعَلَهَا فِي عُمَرَ، فَسَمِعْتُ وأَطَعْتُ ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ أَصِيبَ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ لاَ يَعْدِلُهَا عَنِّي، فَجَعَلَهَا فِي سِتَّةٍ أَنَا أَحَدُهُمْ، فَوَلَّوْهَا عثمانَ، فَسَمعْتُ وَأَطَعْتُ، ثُمَّ إِنَّ عثمانَ قُتِلَ، فَجَاءُوا فَبَايَعُونِي طَائِعِيْنَ غَيْرَ مُكْرَهِيْنَ، ثُمَّ خَلَعُوا بَيْعَتِي، فَوَالله مَا وجدتُّ إِلاَّ الْسَّيْفَ، أَوِ الْكُفْرَ بِمَا أَنْزِلَ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عليه وسلم.
وروى أَبو محمد إِسماعيل بن علي بن إِسماعيل الخُطَبي قال: استخلِفَ أَميرُ المؤمنين عليٌّ كَرَّم الله وجهه، وبُويع له بالمدينة في مسجد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بعد قتل عثمان، في ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين، وروى ابن المسيب قال: لما قتل عثمان جاءَ الناس كلهم إِلى علي يُهْرَعون، أَصحابُ محمد وغيرُهم، كلهم يقول: "أَمير المؤمنين علي"، حتى دخلوا عليه داره، فقالوا: نبايعك فَمُدَّ يدك، فأَنت أَحق بها، فقال علي: ليس ذاك إِليكم، وإِنما ذاك إِلى أَهل بدر، فمن رضي به أَهل بدر فهو خليفة، فلم يبق أَحد إِلا أَتى عليًا، فقالوا: ما نرى أَحدًا أَحق بها منك، فمد يدك نبايعك، فقال: أَين طلحة، والزبير؟ فكان أَوّل من بايعه طلحة بلسانه، وسعد بيده، فلما رأَى عليّ ذلك خرج إِلى المسجد، فصعد المنبر، فكان أَوّل من صعد إِليه، فبايعه طلحة، وتابعه الزبير، وأَصحاب النبي صَلَّى الله عليه وسلم ورضي عنهم أَجمعين، وروى المدائني قال: لما دخل علي بن أَبي طالب الكوفة، دخل عليه رجل من حكماءِ العرب فقال: والله يا أَمير المؤمنين لقد زِنْت الخلافة وما زَانتك، ورفعتها وما رفعتك، وهى كانت أَحوج إِليك منك إِليها، وروى أبو وائل قال قلت لعبد الرحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم عليًا؟ فقال: ما ذنبي؟ قد بدأْت بعلي فقلت: أَبايعك على كتاب الله، وسنة نبيه، وسيرة أَبي بكر وعمر، قال: فقال: فيما استطعت، قال: ثم عَرَضتها على عثمان فقبلها، ولما بايعه الناس تخلف عن بيعته جماعة من الصحابة؛ منهم: ابن عمر، وسعد، وأُسامة، وغيرهم، فلم يلزمهم بالبيعة، وروى أبو سعيد قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عليه وسلم فَانْقَطَعَ شِسْعُهُ، فَأَخَذَهَا عَلِيٌّ يُصْلِحُهَا، فَمَضَى رَسُولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم فَقَالَ: "إِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيْلِ الْقُرْآنِ، كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيْلِهِ"، فَاسْتَشْرَفَ لَهَا الْقَوْمُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم: "لَكِنَّهُ خَاصِفُ الْنَّعْلِ"، فَجَاءَ فَبَشَّرْنَاهُ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَرْفَعْ بِهِ رَأْسًا، كَأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ سَمِعَهُ مِنَ الْنَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم(*) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 12/64 وذكره المتقي الهندي في كنز العمال حديث رقم 36351 وعزاه لابن أبي شيبة وأحمد وأبي يعلى وابن حبان والحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية.، وروى أبو سعيد الخدري قال: أَمَرَنَا رَسُولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم بِقِتَالِ الْنَّاكِثِينَ، وَالْقَاسِطِيْنَ، وَالْمَارِقِينَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم أَمَرْتَنَا بِقِتَالِ هَؤُلاَءِ، فَمَعَ مَنْ؟ فَقَالَ: "مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، مَعَهُ يُقْتَلُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرِ" أخرجه أحمد في المسند 2/361، 3/5، 6/315 والهيثمي في الزوائد 9/272، وأبو نعيم في الحلية 7/198.، وروى مِخْنف بن سليم قال: أَتينا أَبا أَيوب الأَنصاري، فقلنا: قاتلت بسيفك المشركين مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ثم جئت تقاتل المسلمين؟ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم بِقَتْلِ الْنَّاكِثِيْنَ، وَالْقَاسِطِيْن،َ وَالْمَارِقِيْنَ، وروى علي بن ربيعة قال: سمعت عليًا على منبركم هذا يقول: عهد إِليّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أَنْ أَقَاتِلَ الْنَّاكِثِيْنَ، وَالْقَاسِطِيْنَ، وَالْمَارِقِيْنَ.
وروى أبو مِجْلَز قال: جاء رجل من مراد إلى عليّ، وهو يصلّي في المسجد فقال: احْتَرِسْ فإنّ ناسًا من مراد يريدون قتلك، فقال: إنّ مع كلّ رجل مَلَكَين يحفظانه ممّا لم يُقَدّرْ، فإذا جاء القَدَر خلّيَا بينه وبينه، وإنّ الأجل جُنّة حصينة، وروى عُبيدة قال: قال عليّ: ما يَحْبِسُ أشقاكم أنْ يَجيءَ فَيَقْتُلَني؟ اللّهمّ قد سَئِمْتُهُمْ وسَئِمُوني، فأرِحْهُمْ مني، وأرحني منهم، وروى عبد الله بن سبع قال سمعت عليًّا يقول: لَتُخْضََبَنّ هذه من هذه فما يُنْتَظَرُ بالأشْقَى، قالوا: يا أمير المؤمنين فأخبرْنَا به نُبيرُ عِتْرَتَه، فقال: إذًا والِلّه تَقْتُلُون بي غيرَ قاتلي، قالوا: فاسْتَخْلِفْ علينا، فقال: لا ولكنْ أتْرُكُكُمْ إلى ما تركَكُمْ إليه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم قالوا: ما تقول لربّك إذا أتَيْتَهُ؟ قال: أقول: "اللّهمّ تَرَكْتُكَ فيهم، فإن شِئْتَ أصْلَحْتَهُم،ْ وإن شِئْتَ أفْسَدْتَهُم، وروت أمّ جعفر سُريّّة عليّ قالت: إني لأصُبّ على يديه الماءَ إذ رفع رأسه فأخذ بلحيته فرفعها إلى أنفه فقال: واهًا لَكِ لَتُخْضَبِنّ بدم! قالت فأُصيبَ يوم الجمعة، وروى ابن الحنفيّة قال: دَخَلَ علينا ابنُ مُلْجَم الحَمّامَ وأنا، وحسن، وحسين جلوس في الحمّام، فلمّا دخل كأّنهما اشمأزّا منه وقالا: ما أجْرَأكَ تدخل علينا! فقلت لهما: دَعاه عنكما فَلَعَمْري ما يريد بكما أحْشَمُ من هذا، فلمّا كان يومَ أُتِيَ به أسيرًا قال ابن الحنفيّة: ما أنا اليوم بأعْرَفَ به منّي يومَ دَخَلَ علينا الحمّام، فقال عليّ: إنه أسير فأحْسِنُوا نُزُلَه وأكْرِموا مَثْواه، فإنْ بَقيتُ قَتَلْتُ أو عفوتُ، وإن متّ فَاقْتُلُوهُ قِتْلَتي ولا تَعْتَدُوا إن الله لاُيحِبّ المعتدين، وروى قُثَم مَولَى لابن عبّاس قال: كَتَبَ عليّ في وصيته إلى أكبر ولدي غير طاعن عليه في بطن ولا فرج.
قالوا: انتدب ثلاثةُ َنفَر من الخوارج: عبد الرّحمن بن مُلْجم المراديّ، وهو من حِمْيَر، وعِداده في مُرِادٍ، وهو حَليفُ بني جَبلة من كِندة، والبُرَك بن عبد الله التميميّ، وعمرو بن بُكَير التميميّ، فاجتمعوا بمكّة وتَعاهدوا وتَعَاقدوا لَيَقْتُلُنّ هؤلاء الثلاثةَ: عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعَمرو بن العاص ويريحوا العباد منهم، فقال عبد الرّحمن بن مُلجم: أنا لكم بعَليّ بن أبي طالب، وقال البُرَكُ: وأنا لكم بمعاوية، وقال عمرو بن بُكيَر: أنا أكْفِيكُمْ عمرو بن العاص، فتَعاهدوا على ذلك وتَعاقدوا وتَواَثقوا لا َينْكُصُ رجلٌ منهم عن صاحبه الذي سَمَّي ويتوجّه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فاتّعدوا بينهم ليلة سبعَ عشرةَ من شهر رمضان، ثمّ توجّه كلّ رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه، فقَدِمَ عبدُ الرّحمن بن ملجم الكوفة فلقي أصحابه من الخوارج فكاتَمَهُم ما يريد، وكان يزورهم ويزورونه، فزارَ يومًا نفرًا من تيم الرباب فرأى امرأة منهم يقال لها: قَطامِ بنت شِجْنة بن عدي، من تيم الرباب، وكان عَليّ قَتَلَ أباها وأخاها يومَ نهروان فأعجبته فخطبها، فقالت: لا أتزوّجُك حتّى تُسِْني لي المهرَ، فقال: لا تَسْألينَني شَيْئًا إلاّ أعطيتُكِ، فقالت: ثلاثة آلاف وقتلَ عليّ بن أبي طالب، فقال: والله ما جاءَ بي إلى هذا المصر إلاّ قتلُ عليّ بن أبي طالب وقد آتيتُكِ ما سألْتِ، ولقي عبدُ الرّحمن بن مُلجم شبيبَ بن بَجَرَة الأشجعي، فأعلمه ما يريد، ودعاه إلى أن يكون معه فأجابه إلى ذلك، وبات عبد الرّحمن بن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل عليًّا في صبيحتها يناجي الأشعث بن قيس الكنديَّ في مسجده حتى كاد أن يطلع الفجر، فقال له الأشعث: فضَحَك الصّبحُ فقُمْ، فقام عبد الرّحمن بن ملجم، وشبيب بن بجرة فأخذا أسيافهما ثمّ جاءا حتى جلسا مقابل السّدّة التي يخرج منها عليّ، قال الحسن بن عليّ: وأتيته سَحَرًا فجلست إليه فقال: إني بِتّ اللّيلةَ أوقظ أهلي فَمَلَكَتني عيناي وأنا جالس فسنَحَ لي رسول الله فقلت: يا رسول الله ما لقيتُ من أُمّتِكَ من الأوَد واللَّدَد، فقال لي: "ادْعُ اللَّه عليهم"، فقلت اللّهمّ أبْدِلْني بهم خيًرا لي منهم، وأبدلهم شرًّا لهم مني، ودخل ابن النّبّاح المؤذّنُ على ذلك فقال: الصّلاة، فأخذت بيده فقام يمشي وابن النّبّاح بين يديه وأنا خلفه، فلمّا خرج من الباب نادى: أيّها النّاسُ الصّلاةَ الصّلاةَ، كذلك كان يفعل في كلّ يوم يخرج ومعه درّتُهُ يوقِظُ النّاسَ، فاعترضه الرّجلان، فقال بعض من حضر ذلك: فرأيت بريق السيف وسمعتُ قائلًا يقول: لله الحُكْمُ يا عليّ لا َلكَ! ثمّ رأيتُ سيفًا ثانيًا فضربا جميعًا؛ فأمّا سيف عبد الرّحمن بن ملجم فأصاب جبهته إلى قَرْنه، ووصل إلى دماغه، وأمّا سيف شبيب فوقع في الطّاق، وسمعتُ عليًّا يقول: لا يفوتنّكم الرجلُ، وشدّ الناّسُ عليهما من كلّ جانب، فأمّا شبيب فأفلت، وأُخِذَ عبدُ الرّحمن بن ملجم فأُدخل على عليّ، فقال: أطيبوا طعامه، وألينوا فراشه، فإن أعِشْ فأنا وَلِيُّ دَمِي، عفوٌ أوقصاص، وإنْ أمُتْ فألْحِقُوه بي أُخاصمه عند ربّ العالمين، فقالت أمّ كلثوم بنت عليّ: يا عدوّ الله قتلت أمير المؤمنين! قال: ما قتلتُ إلّا أباكِ، قالت: فوالله إنّي لأرجو أن لا يكون على أمير المؤمنين بأسٌ، قال: فلِمَ تَبكينَ إذًا؟ ثمّ قال: والله لقد سممتُه شهرًا، يعني: سيفَه، فإنْ أخْلَفَني فأبْعَدَهُ الله وأسحقه.
وبعث الأشعث بن قيس ابنه قيس بن الأشعث صبيحة ضُربَ عليّ رضي الله عنه فقال: أيْ بُنيّ انظر كيف أصبح أمير المؤمنين، فذهب فنظر إليه ثمّ رجع فقال: رأيت عينيه داخلتين في رأسه، فقال الأشعث: عَيْنَيْ دَميغ وربّ الكعْبة، قال: ومكث عليٌّ يومَ الجمعة وليلة السبت وتُوفي رحمة الله عليه وبركاته، ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين، وغسله الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وكُفِّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وروى الشّعبيّ أنّ الحسن بن عليٍّ صلّى على عليِّ بن أبي طالب فكبَّر عليه أربع تكبيرات، ودُفن عليٌّ بالكوفة عند مسجد الجماعة في الرحبة ممّا يلي أبوابَ كِنْدَة قبل أن ينصرفَ النّاسُ من صلاة الفجر، ثمّ انصرف الحسنُ بن عليٍّ من دفنه فدعا النّاس إلى بيعته فبايعوه، وكانت خلافة عليّ أربع سنين، وتسعة أشهر، وروى أبو إسحاق قال: توفّي عليّ وهو يومئذ ابن ثلاث وستين سنة، وروى عبد الله بن محمّد بن عقيل قال: سمعت محمّد بن الحنفيّة يقول سنة الجُحاف حين دخلت إحدى وثمانون: هذه لي خمسٌ وستّون سنة، وقد جاوزتُ سنّ أبي، قلت: وكم كانت سنّه يومَ قُتِلَ يرحمه الله؟ قال: ثلاثًا وستّين سنة، وروى هُبيرة بن يَريمَ قال: لمّا توفّي عليّ بن أبي طالب قام الحسن بن عليّ فصعد المنبر فقال: أيها النّاس قد قُبِض الليلةَ رجلٌ لم يَسبِقْه الأوّلون، ولا يدركه الآخرون، قد كان رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يبعثه المبعث، فيكتنِفُه جبريل عن يمينه، وميكائيل عن شماله فلا ينثني حتّى يفتح الله له، وما ترك إلا سبعمائة درهم؛ أراد أن يشتري بها خادمًا، ولقد قُبض في اللّيلة التي عُرجَ فيها بروح عيسى بن مريم ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان، وروى عمرو بن الأصمّ قال: قيل للحسن بن عليّ إنّ ناسًا من شيعة أبي الحسن عليّ عليه السلام يزعمون أنّه دابّة الأرض، وأنّه سَيُبْعَثُ قبل يوم القيامة، فقال: كذبوا ليس أولئك شيعته، أولئك أعداؤه، لو علمنا ذلك ما قسمنا ميراثه، ولا أنكحنا نساءه.
وأُودع عبد الرّحمن بن ملجم في السجن، فلمّا مات عليّ رضوان الله عليه ورحمته وبركاته، ودُفِنَ بعث الحسن بن عليّ إلى عبد الرّحمن بن ملجم فأخرجه من السجن ليقتله، فاجتمع النّاس، وجاءُوه بالنفط، والبواري،ّ والنّار، فقالوا نحرقه، فقال عبد الله بن جعفر، وحسين بن عليّ، ومحمّد بن الحنفيّة: دَعُونا حتّى نَشْفِيَ أنفسا منه، فقطع عبد الله بن جعفر يديه، ورجليه فلم يَجْزَعْ، ولم يتكلّم، فكحَل عينيه بمسمار مُحْمًى فلم يجزع وجعل يقول: إنّكَ لَتَكْحُلُ عَيْنَيْ عَمّكَ بمُلْمُول مَضٍّ، وجعل يقول: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق 1، 2]، حتّى أتى على آخر السورة كلّها، وإنّ عينيه لَتَسِيلان، ثمّ أمر به فعولج عن لسانه ليقطعه فجَزَعَ، فقيل له: قَطَعْنَا يديك، ورجليك، وسَمَلْنا عَينيكَ، يا عدوّ الله فلم تَجْزَعْ فلمّا صِرْنا إِلى لسانك جزعت؟ فقال: ما ذاك منّي من جزع إلا أني أكره أن أكون في الدّنيا فُواقًا لا أذكر الله، فقطعوا لسانه ثمّ جعلوه في قَوْصرة وأحرقوه بالنّار، والعبّاس بن عليّ يومئذ صغير فلم يُسْتَأنَ به بلوغه، وكان عبد الرّحمن بن ملجم رجلًا أسمرَ حسنَ الوجه أفلجَ شعره مع شحمة أذنيه، في جبهته أثَرُ السجود، قالوا: وذَهَبَ بقتل عليّ رضي الله عنه إلى الحجاز سفيانُ بن أميّة بن أبي سفيان، فبلغ ذلك عائشة فقالت:
فألقت عصاها وَاستقرّتْ بها النّوى كما قَرّ عينًا بالإياب المسافرُ
وروى عثمان بن المغيرة قال: لما دخل شهر رمضان جعل عليٌ يتعشى ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد اللّه بن جعفر، لا يزيد على ثلاث لقم، ويقول: يأْتي أَمر الله وأَنا خمِيص، وإنما هي ليلة أَو ليلتان، وروى الحسن بن كثير، عن أَبيه قال: خرج علي لصلاة الفجر، فاستقبله الأَوزّ يَصِحْنَ في وجهه قال: فجعلنا نطردهن عنه فقال: دَعُوهنّ فإِنهن نوائح، وخرج فأُصيب، وهذا يدل على أَنه علم السنة، والشهر، والليلة التي يقتل فيها، والله أَعلم، وروى ابن عباس قال: قال علي يعني: للنبي صَلَّى الله عليه وسلم: إِنَّكَ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ، حِيْنَ أَخَّرْتَ عَنِّي الْشَّهَادَةَ، وَاسْتَشْهَدَ مَنِ اسْتَشْهَدَ: "إِنَّ الْشَّهَادَةَ مِنْ وَرَاءِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَا خُضِبَتْ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ بَدَمٍ وَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ"، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ الله، إِمَّا أَنْ تُثْبِتَ لِي مَا أَثْبَتَّ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مُوَاطِنِ الْصَّبْرِ، وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَالْكَرَامَةِ أخرجه الطبراني في الكبير 11/372.، وروى عبد الله بن مالك قال:‏ جُمع الأطباء لعليّ رضي الله عنه يوم جُرِح، وكان أبصرهم بالطّب أُثيْر بن عمرو السَّكُوني، وكان يقال له: أثير بن عُمريا، وكان صاحب كسرى يتطبَّب، وهو الذي ينسب إليه صحراء أثير، فأخذ أثير رئة شاة حارة، فتتبَّع عِرْقًا منها، فاستخرجه فأدخله في جراحةِ عليّ، ثم نفخ العرق فاستخرجه، فإذا عليه بياض الدّماغ، وإذا الضّربة قد وصلت إِلى أمّ رأسه، فقال:‏ يا أمير المؤمنين، اعهد عَهْدك فإنك ميّت،‏ وفي ذلك يقول عمران بن حطان الخارجي‏:
يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَاد بـِهَا إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضْوَانَا
إِنِّي لأَذْكُـرُهُ حِيْنـًا فَأَحْسَبُـهُ أَوْفَى البَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَـا
وقال بكر بن حماد التاهرتي مُعَارضًا له في ذلك:
قُلْ لابْنِ مُلْجَـمَ
وَالأَقْـدَارُ
غَالِبَـةٌ هَدَمْـتَ
وَيْلَكَ
للإِسْـلَامِ
أَرْكَانا
قَتَلْتَ أَفْضَلَ مَـنْ
يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ وَأَوَّلَ
النَّـاسِ
إِسْلَامًـا
وَإِيمَانَا
وَأَعْلَمَ
النَّـاسِ
بِالقُرْآنِ
ثُـمَّ
بِمَا سَنَّ الرَّسُولُ
لَـنَا شَرْعـًا
وَتِبْيَانَا
صِهْر
النَّبيِّ وَمَوْلَاهُ
وَنَاصِرَهُ أَضْحَـتْ
مَنَاقِبُـهُ
نُـورًا
وَبُرْهَانَا
وَكَانَ
مِنْهُ
عَلَى
رَغْمِ
الحسُودِ لَهُ مَا كَانَ هَارُونَ مِنْ مُوسَى بْن عِمْرَانَا
وَكَانَ فِي الْحَربِ سَيْفًا صَارِمًا ذَكرًا لَيثًا
إِذَا
لَقِيَ الأَقْرَانُ
أَقْرَانَا
ذَكَـرْتُ
قَاتِلَهُ
وَالدَّمْعُ
مُنْحَدِرٌ فَقُلْتُ سُبْحَـانَ رَبِّ النَّـاسِ سُبْحَانا
إِنِّي لأَحسَبَهُ
مَا
كَـانَ
مِنْ
بَشَـرٍ يَخْشَى المَعَادَ وَلَكِنْ كَـانَ شَيْطَانَا
أَشْقَى
مُـرَادًا
إِذَا
عُـدَّتْ قَبَائِلُـهَا وَأَخْسَـرَ النَّـاسِ عِنْدَ
اللَّهِ
مِيزَانَا
كَعَاقِرِ النَّاقَةِ الأُولَـى
الَّتِي
جَلَبَـتْ عَلَى ثَمَودَ بِأَرْضِ الْحِجْـرِ خُسْرَانَا
قَد كَانَ يُخْبِرُهُمْ أَنْ سَوْفَ يُخْضِبُهَا قَبْلَ المَنِيَّةِ أَزْمَانًا
فَأَزْمَانَا
فَـلَا
عَفَـا
اللَّهُ عَنْهُ
مَـا
تَحَمَّـلُهُ وَلَا
سَقَى
قَبْرَ عِمْرَانَ بْنَ حِطَّانَا
لِقَوْلِهِ
فِـي شَقِـيٍّ مُجْتَـرِمًا وَنَالَ
مَا
نَالَهُ
ظُلْمًا
وَعُدْوَانَا
يَا ضَرْبَة
مِنْ
تَقِـيٍّ مَـا
أَرَادَ بِهَا إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ
ذِي
العَرْشِ رِضْوَانَا
بَلْ ضَرْبَةً
مِنْ غَوِيٍّ أَوْرَدَتْهُ
لَظـى فَسَوْفَ
يَلْقَىَ
بِهَا الرَّحمـنَ غَضْبَانَا
كَأْنَّهُ
لَمْ
يُرِدْ
قَصْدًا
بِضَرْبَتِهِ إِلَّا لِيَصْلَى
عَذَابَ
الْخُلْدِ نِيرَانَا
وقال قاسم بن ثابت صاحب كتاب "الدّلائل‏":‏ أنشدني محمد بن عبد السّلام الحسيني في قتْل عليّ عليه السّلام:
عَـدَا عَلَى ابْنِ أَبِي طَالـِبٍ فَاغْتَالَهُ بِالسَّيْفِ أَشْقَـىَ مُرَادِ
شُلَّـتْ
يَدَاهُ
وَهَـوَت
أُمُّهُ أَنْ أُمْرِرَتْ لَهُ تَحْـتَ السَّـوَادِ
عَزَّ عَلَى عَيْنَيْكَ لَوِ انْصَرَفَتْ مَا أَخْـرَجَتْ بَعْدُ أَيْدِي العِبَادِ
لَانَتْ قَنَاةُ الدِّينِ وَاسْتَـأْثَرَتْ بِالغَـيِّ أَفَوَاهُ الكِلَابِ العَوادِي
ومما قيل في ابن ملجم، وقطام:

فَـلَمْ أَرَ مَهْرًا سَاقَهُ ذُو سَمَاحَةٍ كَمَهْـرِ قِطَامٍ مِنْ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِِ
ثـَلَاثَـةُ
آلَافٍ
وَعَبْـدٌ
وَقَيْنَـةٌ وَضَـرْبُ عَلِيٍّ بِالحُسَامِ المُصَمّمِ
فَلا مَهْرَ أَغْلَى مِنْ عَليٍّ وَإنْ عَلَا وَلَا فَتْكَ إلَّا دُونَ فَتْكِ ابْنِ مُلْجَمِ
وقال بكر بن حماد رحمه الله تعالى:
وَهَـزَّ
عَلِيٌّ
بِالعِرَاقَيْنِ
لِحْيَـةً مُصِيبَتُهَا جَـلَّتْ عَلَى كُلِّ مُسْلِمِ
وَقَـالَ سَيَأْتِيهَا مِنَ اللَّهِ حَادِثٌ وَيُخْضِبُهَـا أَشْقَى البَـرِيَّةِ بِالدَّمِ
فَبَـاكَرَهُ بِالسَّيْـفِ
شُلَّتْ يَمِينُهُ لِشؤُمِ قِطَامٍ عِنْدَ ذَاكَ ابْنُ مُـلْجَمِ
فَيا ضَرْبَةً مِنْ خَاسِرٍ ضَلَّ سَعْيُهُ تَبَـوَّأَ
مِنْهَا
مَقْعَدا فِي جَهَنَّمِ
فَفَـازَ
أَمِيـرُ
المُؤْمِنِينَ
بِحَظِّهِ وَإِنْ طَرَقَتْ فِيهَا الخُطُوبُ بِمُعْظَمِ
أَلَا
إِنَّـمَا الدُّْنيَا
بَلَاءٌ
وَفِتْنـَةٌ حَـلَاوتُهَا شِيبَتْ بِصَابٍ وَعَلْقِمِ
خرجت الخوارج على عليٍّ وكفّروه، وكل من كان معه؛ إذ رضي بالتحكيم بينه وبين أهل الشّامِ، وقالوا له:‏ حكَّمت الرّجال في دين الله، واللَّهُ تعالى يقول: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام 57‏]، ثم اجتمعوا، وشقُّوا عصا المسلمين، ونصبوا رايةَ الخلاف، وسفكوا الدِّماء، وقطعوا السُّبل؛ فخرج إليهم بمن معه، ورام مراجعتهم، فأبَوْا إلا القتال،‏ فقاتلهم بالنهْرَوان، فقتلهم، واستَأْصَل جمهورهم، ولم ينج إلا اليسير منهم، فانتدب له من بقاياهم عبد الرّحمن بن مُلْجَم؛ قيل: التَّجُوبيّ، وقيل: السَّكوني، وقيل: الحميريَّ. وقيل لإحدى عشرة ليلة خلت من رمضان، وقيل: بل بقيت من رمضان سنة أربعين.
وقال شاعرهم:
عَـلَاهُ بِالعَمُـودِ أَخُو تَجُـوبٍ فَأَوْهَـى الرَّأْسَ مِنْهُ وَالجَبِينَا
وقال أبو الطفيّل، وزيد بن وهب، والشعبي‏: قُتل عليّ رضي الله عنه لثمان عشرة ليلة مضَتْ من رمضان‏َ، وقيل:‏ في أول ليلة من العشر الأواخر، واختلف في موضع دفنه فقيل:‏ دُفن في قصر الإمارة بالكوفة‏، وقيل:‏ بل دُفن في رَحبة الكوفة‏،‏ وقيل:‏ دُفن بنَجِفِ الحيرة موضع بطريق الحيرة،‏ وروي‏ عن أبي جعفر أنّ قبر عليّ رضي الله عنه جُهل موضعه، واختلف أيضًا في مبلغ سنّه يوم مات، فقيل:‏ سبع وخمسون‏.‏ وقيل‏:‏ ثمان وخمسون، وقال أبو نعيم وغيره‏:‏ ثلاث وستون‏،‏ وقيل: ابن خمس وستين، وقيل: ابن ثمان وخمسين، وقيل: أربع وستين سنة‏، وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وستّة أيام، وقيل:‏ ثلاثة أيام،‏ وقيل‏: أربعة عشر يومًا،‏ وقالت‏ عائشة رضي الله عنها: لما بلغها قتل عليّ‏ لتصنع العرب ما شاءت، فليس أحدٌ ينهاها.
وروى أبو حرب بن أَبي الأَسود، عن أَبيه، عن علي قال: أَتاني عبد اللّه بن سلام، وقد وضعت رجلي في الغَرْز فقال لي: لا تَقدم العراق، فإِني أَخشى أَن يصيبك فيها ذباب السيف قال علي: وَايْمُ الله لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِهِ رَسُولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم، فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: فَمَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطٌّ مُحَارِبٌ يُخْبِرُ بِذَا عَنْ نَفْسِهِ أخرجه أحمد في المسند 1/156..
رثى الناسُ عليّ بن أبي طالب فأَكثروا؛ فمن ذلك ما قاله أَبو الأَسود الدُّؤَلي، وبعضهم يرويها لأُم الهيثم بنت العريان النَّخَعية:
أَلاَ يَا
عَينُ وَيحكِ
أَسْعِدِينَـا أَلاَ تَبْكِي
أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَا
تُبكِّي أُمُّ
كُلْثُـومٍ
عَـلَيْـهِ بِعَبْرَتِهَا
وَقَدْ رَأَتِ
اليَقِينَـا
أَلاَ قُلْ لِلْخَوَارِجِ
حَيْثُ كَانُوا فَلاَ قَرَّتْ عُيُونُ
الشَّامِتِينَـا
أَفي الشَّهْرِ
الحَرَامِ
فَجَعْتُمُونَا بِخَيرِ
النَّاسِ طُرًّا
أَجْمَعِينَـا
قَتَلْتُمْ خَيرَ مَنْ
رَكِبَ
المَطَايَا فَذَللَّهَا
وَمَنْ رَكِبَ
السَّفِينَـا
وَمَنْ لَبِسَ النِّعَالَ
وَمَنْ
حَذَاهَا وَمَنْ
قَرَأَ المَثَانِيَ
والمُبِينَـا
وَكُلُّ مُنَاقِبِ
الخَيْـرَاتِ
فِيـهِ وَحُبُّ رَسُولِ
رَبِّ العَالَمِينَـا
لَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ حَيْثُ
كَانُـوا بِأَنَّكَ
خَيْرُهَا حَسَبًـا
وَدِينَـا
إِذَا اسْتَقْبَلْتَ وَجْهَ أَبِي
حُسَينٍ رَأَيتَ البَدْرَ
رَاقَ
النَّاظِرِينَـا
وَكُنَّا
قَبْلَ
مَقْتَـلِـهِ بِخَيـرٍ نَرَى مَوْلَى رَسُولِ
الْلَّهِ
فِينَـا
يُقِيمُ الْحَقَّ لاَ
يَرْتَـابُ
فِيْـهِ وَيَعْدِلُ فِي
العِدَا
وَالأَقْرَبِينَـا
وَلَيْسَ
بِكَاتِمٍ
عِلْمًـا
لَـدَيْـهِ وَلَم
يُخْلَقْ
مِنَ
المُتَجَبِّرِينَـا
كَأَنَّ النَّاسَ
إِذْ فَقَـدُوا
عَلِيًّا نَعَامٌ
حَـارَ
فِي بَلَد سِنِينَـا
فَلا تَشْمَتْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَـرْبٍ فَإِنْ
بَقِيَّـةَ الخُلَفَـاءِ
فِينَـا
وقال الفضل بن العباس بن عُتبة بن أَبي لَهَب فيه أَيضًا:
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الأَمْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَنْ أَبِي حَسَنِ
الِبرُّ
أَوَّلُ
مَـنْ صَلَّى
لِقِبْلَـتِـهِ وَأَعْلَمُ
الْنَّاسِ
بِالْقُـرْآنِ
وِالْسُّنَـنِ
وَآخِرُ
النَّاسِ عَهْدًا
بِالنَّبـيِّ وَمَـنْ جِبْرِيْلُ عَونٌ لَهُ فِي الغُسْلِ وِالكَفَنِ
مَنْ
فِيهِ
مَا فيهِمُ
لاَ تَمْتَـرُونَ بِـهِ وَلَيسَ فِي القَوْمِ مَا فِيهِ مِنَ الحَسَنِ
وروى عبد الرحمن بن حبيب بن عبد اللّه، عن أَبيه قال: لما فرغ علي من وصيته قال: اقرأُ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ثم لم يتكلم إِلا بـ "لا إِله إِلا الله" حتى قبضه الله، رحمة الله ورضوانه عليه، وغسله ابناه، وعبد اللّه بن جعفر، وصلى عليه الحسن ابنه، وكبر عليه أَربعًا، وكفن في ثلاثة أَثواب ليس فيها قميص، ودفن في السَّحَر، وقيل: إِن عليًا كان عنده مِسْكٌ فَضَل من حَنُوط رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، أَوصى أَن يُحنّط به، وروى عمر ذو مر قال: لما أُصيب علي بالضربة، دخلتُ عليه وقد عصَب رأْسه، قال قلت: يا أَمير المؤمنين أرني ضربتك، قال: فحلَّها، فقلت: خَدْشٌ وليس بشيء، قال: إِني مفارقكم، فبكت أُم كلثوم من وراء الحجاب، فقال لها: اسكتي فلو ترين ما أَرى لما بكيت، قَالَ فَقُلْتُ: يَا أَمِيْرَ الْمُؤْمِنِيْنَ، مَاذَا تَرَى؟ قَالَ: هَذِهِ الْمَلَائِكَةُ وُفُودٌ، وَالنَّبِيُّونَ، وَهَذَا مُحَمَّدٌ صَلَّى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يَا عَلِيُّ، أَبْشِرْ، فَمَا تَصِيْرُ إِلَيْهِ خَيْرٌ مِمَّا أَنْتَ فِيْهِ"(*)، هذه أُم كلثوم هي ابنة علي زوج عمر بن الخطاب.
الاسم :
البريد الالكتروني :
عنوان الرسالة :
نص الرسالة :
ارسال