تسجيل الدخول


حكيم بن حزام

حكيم بن حِزَام بن خُوَيلد الأسديّ:
كنيته أبو خالد. ولد في الكعبة، وذلك أنّ أمِّه دخلَت الكعْبة في نِسْوَةٍ من قريش، وهي حاملٌ فضربها المخاض، فأُتِيَتْ بنطعٍ فولدت حكيمَ بن حزام عليه. أمه وأم أخويه خالد وهشام هي صفية، وقيل: أم حَكِيم فاختة بنت زهير بن الحارث، وحكيم ابن أخي خديجة بنت خويلد، وابن عم الزبير بن العوام. تأخَّر إسلامُه إلى عام الفتح؛ وكان له مِن الولد: عبد الله، ويحيى، وخالد، وهشام، وأم شَيبة؛ وأمُّهم زينب بنت العوام بن خُوَيلد، ويقال: بل أم هشام بن حَكِيم مُلَيْكَة بنت مالك بن سعد من بني الحارث بن فهر، وقد أدْرَكَ وَلَدُ حَكِيم بن حِزام كلهم النبي صَلَّى الله عليه وسلم يوم الفتح وصَحِبوا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم. فهم من مُسْلِمة الفَتْح.
قال حكيم بن حزام: أعقل حين أراد عبدُ المطَّلب أن يذبحَ ابنَه عبد الله، حين وقع نذرُه وذلك قبل مولد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بخمس سنين. قال محمد بن عمر: وشَهِدَ حَكِيم بن حِزَام مع أبيه الفِجَار، وقُتِل أبوه حِزَام بن خُويلد في الفِجَار الآخر. قال ابن الأثير: قولهم: إنه ولد قبل الفيل، ومات سنة أربع وخمسين، وعاش ستين في الجاهلية وستين سنة في الإسلام، فهذا فيه نظر؛ فإنه أسلم سنة الفتح، فيكون له في الإشراك أربع وسبعون سنة، منها ثلاث عشرة سنة قبل الفيل، وأربعون سنة إلى المبعث؛ قياسًا على عمر رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وثلاث عشرة سنة بمكة إلى الهجرة على القول الصحيح، فيكون عمره ستًا وستين سنة، وثماني سنين إلى الفتح، فهذا تكملة أربع وسبعين سنة، ويكون له في الإسلام ست وأربعون سنة، وإن جعلناه في الإسلام مذ بعث النبي صَلَّى الله عليه وسلم فلا يصح؛ لأن النبي صَلَّى الله عليه وسلم بقي بمكة بعد المبعث ثلاث عشرة سنة، ومن الهجرة إلى وفاة حكيم أربع وخمسون سنة، فذلك أيضًا سبع وستون سنة، ويكون عمره في الجاهلية إلى المبعث ثلاثًا وخمسين سنة قبل مولد النبي صَلَّى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة، وإلى المبعث أربعين سنة، إلا أن جميع عمره على هذا القول مائة وعشرون سنة، لكن التفصيل لا يوافقه، وعلى كل تقدير في عمره ما أراه يصح، والله أعلم.
وقد بكى حَكيم بن حزام يومًا، فقال له ابنُه: ما يُبْكيك يَا أَبَهْ؟ قال: خِصَالٌ كلها أَبْكاني؛ أما أولها فَبُطء إسلامي حتى سُبِقْتُ في مواطن كلها صالحة، ونجوتُ يوم بدر، ويوم أُحُد، فقلت: لا أخرج أبدًا من مكة، ولا أُوْضع مع قريش ما بقيتُ، فأقمتُ بمكة، وَيَأْبَى الله أن يشرح قلبي بالإسلام، وذلك أني أنظر إلى بقايا من قريش لهم أسنان، متمسكين بما هم عليه من أمر الجاهلية، فأقتَدي بهم، ويا ليت أَنِّي لم أقتدِ بهم، فما أهلكنا إلا الاقتداء بآبائنا وكُبَرائنا، فلما غزا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، مكة جعلت أفكر، وأتاني أبو سفيان بن حرب، فقال: أبا خالد، والله إني لأخشى أن يأتينا محمد في جُمُوع يَثْرِبَ فهل أنت تابعي إلى سَرِف نستروِح الخبر؟ قلتُ: نعم، فخرجنا نتحدث ونحن مُشاة حتى إذا كنا بمر الظَّهْران إذا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في الدَّهْم من الناس، فَلَقِيَ العباسُ بن عبد المطلب أبا سفيان، فذهب به إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فرجعت إلى مكة فدخلت بيتي، فأَغْلَقْتُه عليّ وطويتُ ما رأيتُ وقلت: لا أُخْبِر قريشًا بذلك، ودخل رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم مكة فَأَمَّن الناسَ فجئته ــ صَلَّى الله عليه وسلم ــ بعد ذلك بالبَطْحاء فأسلمتُ وصدَّقْتُه وشهدت أن ما جاء به حق، وخرجتُ معه إلى حُنَين فأَعطى رجالًا مِن المغانم أمولًا، وسألت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بحنين مائة من الإبل فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها، ثم قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، مَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى وابدأ بمن تَعول"، فكان حكيم يقول: والذي بَعَثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أُفارِق الدنيا، فكان أبو بكر الصّدّيق يدعو حكيمًا ليعطيه فيأبى يقبل منه شيئًا، وكان عمر يدعو حكيمًا إلى عَطَائه فيأبَى يأخذه، فيقول عمر: أيها الناس أشهدكم على حكيم أني أدعوه إلى عطائه فيأبَى يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس شيئًا بعد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم حتى توفي. قال حكيم بن حزام: كنتُ أعالج البَزَّ والبُرَّ في الجاهلية، وكنت رجلًا تاجرًا أَخْرُجُ إلى اليمن وإلى الشام في الرحلتين، فكنت أربح أرباحًا كثيرة، فإذا ربحت عدت عَلَى فقراء قومي، ونحن لا نعبد شيئًا، وكنت رجلًا مجدودًا في التجارة، ولقد كانت قريش تبعث بالأموال وأبعثُ بمالي، فربما دعاني بعضهم أن يخالطني بنفقته، يريد بذلك الجَدَّ في مالي، وذلك أني كلما ربحت تحنَّثت به أو بعامته، أريد به ثراء المال والمحبة في العشيرة، وكنت أحضر الأسواق، وكانت لنا ثلاثة أسواق: سوق بعُكَاظ يقوم صُبْحَ ليلة هلال ذي القعدة عشرين يومًا ويحضرها العرب، وبها ابْتعتُ زَيْدَ بن حارثة لِعَمّتي خديجة بنت خُوَيْلِد، وهو يومئذ غلام، فأخذته بستمائة درهم، فلما تزوّج رسول صَلَّى الله عليه وسلم خديجةَ سألها زيدًا فَوَهَبتْه له، فأعتقه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وبها ابتعتُ حُلَّةَ ذِي يَزن، فقدم حكيم بالحُلَّة في هدنة الحُدَيْبية وهو يريد الشام في عِيرٍ، فأرسل بالحُلَّة إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فَأَبَى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أن يقبلها، وقال: "لا أقبل هَدِية مُشْرِكٍ"، قال حكيم: فجزعتُ جَزَعًا شديدًا حيث ردَّ هديتي، فخرجتُ فبعتها بسوق النَّبَط مِن أول سائِم سَامَنِي، وَدَسَّ رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم إليها زَيْد بن حارثة، فاشتراها، فرأيتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يلبسها بَعْدُ(*)، وفي رواية أخرى: كسوتُها رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فما رأيت أحدًا قط أجمل ولا أحسن من رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في تلك الحُلَّة، وكان سوق مَجَنَّةَ يقوم عَشْرَة أيام حتى إذا رأينا هلال ذي الحجة انصرفنا إلى سوق ذي المجاز فتقوم ثمانية أيام. وكل هذه الأسواق ألقَى بها رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في المواسم يستعرض القبائل، قبيلةً قبيلةً، يدعوهم إلى الله، فلا أرى أحدًا يستجيب له، وأسرَتُه أشدُّ القبائل عليه، حتى بعث الله له قومًا أراد بهم كرامَتَه، هذا الحَيّ من الأنصار، فبايعوه وصَدَّقوا به وآمنوا به وبذلوا أنفسهم وأموالهم له، فجعل الله له دار هجرةٍ ومَلْجَأ، وسَبَقَ مَن سَبَقَ إليه، فالحمد لله الذي أكرم محمدًا بالنبوة ورزقه الله دار هجرة، فحج معاوية، فسامني بداري بمكة، فَبِعْتها منه بأربعين ألف دينار، فبلغني أن ابن الزبير يقول: مَا يَدْرِي هذا الشيخُ مَا بَاعَ، لَيُرَدَّن عليه بيعُه، فقلت: والله ما ابتعتُها إلا بِزِقٍّ من خَمْر، ولقد وصلتُ الرَّحِمَ، وحملتُ الكَلَّ، وأعطيتُ في السبيل.
كان حَكِيم بن حِزام يشتري الظَّهْرَ والأَدَاة والزاد، ثم لا يَجِيئُهُ أحد يَسْتَحمله في السبيل إلا حمله، فبينا هم يومًا في المسجد جلوسًا إذ دَخل رجل من أهل اليمن يطلب حُمْلاَنًا يريد الجهاد، فَدُلَّ عَلَى حَكِيم بن حِزَام فجلس إليه فقال: إني رجل بَعِيد الشُّقّة، وقد أردتُ الجهاد فَدُلِلْتُ عليك؛ لِتَحْمِلَ رُجْلَتِي وتعينني على ضعفي، قال: اجلس، فلما أمكنته الشمس وارتفعت ركع ركعات ثم انصرف، وأومأ إلى اليماني، فجعل كلما مرّ بِصُوفَة أو خِرْقَة أو شملة نَفَضَها وأخذها، فقال اليماني: والله ما زاد الذي دلني على هذا أَنْ لَعِب بِي، أيّ شيء عند هذا من الخير بَعْدَ ما أرى؟! فدخل داره فألقى الصوفة مع الصوف، والخِرْقة مع الخِرَق، والشَّمْلَة مع الشِّمال، ثم قال لغلام له: هات بعيرًا ذَلُولًا مْوَقَّعًا، فأتي به ذلولًا موقعًا سنتين، ثم دعا بجَهاز فشده على البعير، ثم دعا بخِطام فَخُطِم، ثم قال: هَلُمّ جُوَالَقين، فأُتي بجوالقين، فَأَمَر فَجُعِل فيهما دقيق وسُوَيْق وعُكَّة من زيت، وقال: انظر ملحًا وجرابًا مِن تمر، حتى إذا لم يبق شيء مما يحتاج إليه مسافر إلا هيأه، أعطانيه وكساني، ثم دعا بخمسة دنانير فدفعها إليّ فقال: هذه للطريق، قال: فخرجت من عنده وكان هذا فعلَ حَكِيم بن حِزام.
قيل لحكيم بن حزام: ما المال يا أبا خالد؟ قال: قلة العيال. وقال حكيم بن حزام: اسقوني ماءً، قالوا: قد شربت اليوم مرة، قال: فلا. قال محمد بن عمر: وقدم حكيم بن حزام المدينة، ونزلها وبنى بها دارًا عند بلاط الفاكهة عند زقاق الصواغين. وأُتِي النبيُّ صَلَّى الله عليه وسلم بمال، فأتى رجل فسأله، فحثا له، ثم قال: "أزيدك؟!" فقال: نعم، فحثا له، ثم قال: "أزيدك؟!" فقال: نعم، قال: فحثا له، ثم قال: "أزيدك؟!" فقال: نعم، قال: فحثا له، ثم قال: "أَبْقِ لمن بَعْدَك"، قال: ثم أتاه حَكِيم بن حِزَام فأراد أن يحثي له فقال: يا رسول الله، أَخْذُهُ خَيْرٌ أم تَرْكُهُ؟! قال: "لا بل تَرْكُه"، قال: فَتَرَكَه، ثم قال: والله لا أقبل عطية أحدٍ بعدك(*)، وكان معاوية عام حَجَّ مَرّ به، وهو ابن مائة وعشرين سنة، فأرسل إليه بلَقُوح يَشْرَب من لَبَنِها، وذلك بعد أن سأله أَيَّ الطعام تأكل؟ فقال: أمّا مَضْغٌ فلا مَضْغَ فِيّ، فأرسل إليه باللقوح، وأرسل إليه بِصِلَةٍ فأبى أن يقبلها، وقال: لم آخذ من أحد قط بعد النبي صَلَّى الله عليه وسلم شيئًا.
شهد بَدْرًا مع الكفار ونجا منهزمًا، فكان إذا اجتهد في اليمين قال: والذي نجاني يوم بدر، ولم يصنع شيئًا من المعروف في الجاهلية إلا وصنع في الإسلام مثله، وكانت بيده دار الندوة، فباعها من معاوية بمائة ألف درهم؛ فقال له ابن الزبير: بعت مكرمة قريش، فقال حكيم: اشتريت بها دارًا في الجنة، ذهبت المكارم إلا التقوى، فتصدق بالدراهم كلّها؛ وكان من العلماء بأنساب قريش وأخبارها.
حجَّ في الإسلام ومعه مائة بدَنَةٍ قد جلَّلَها بالحبرة، وكفّها عن أعجازها، وأهداها، ووقف بمائةِ وصيف بعرفة في أعناقهم أطواقُ الفضّة منقوش فيها عُتقَاء الله عن حكيم بن حزام، وأهدى ألفَ شاة. وعن حَكِيم بن حِزام قال: قلت: أي رسول الله، أرأيتَ أمورًا كنتُ أتحنّث بها في الجاهلية من صَدقة أو عتاقة ــ أو صِلة رَحِمٍ، أَفِيها أَجْر؟ قال: فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "أسلمت على ما قد أسلفت من خير"(*)، والتحنث: التعبد.
ولحكيم بن حزام حديث في الكتب السِّتة، وروى عنه ابنه حزام، وعبد الله بن الحارث بن نَوفل، وسعيد بن المسيب، وعروة، وموسى بن طلحة، وصفوان بن محزر، والمطلب بن حنطب، وعراك بن مالك، ويوسف بن ماهك، ومحمد بن سيرين. وعن حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فقلت: يأتيني الرجل فيسألني من البيع ما ليس عندي؛ أأبتاع له من السوق ثم أبيعه منه؟ فقال: "لَا تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ"(*) أخرجه أبو داود في السنن 2/ 305 كتاب البيوع باب في الرجل يبيع ما ليس عنده حديث رقم 3503 والترمذي في السنن 3/ 534 كتاب البيوع (12) باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك (19) حديث رقم 1232، 1233 أوقال أبو عيسى هذا حديث حسن والنسائي في السنن 7/ 289 كتاب البيوع (44) باب بيع ما ليس عند البائع (60) حديث رقم 4613 وابن ماجة في السنن 2/ 737 كتاب التجارات (12) باب النهي عن بيع ما ليس عندك (20) حديث رقم 2187 وأحمد في المسند 3/ 402، والطبراني في الكبير 3/ 217 والبيهقي في السنن 5/ 267، والحاكم في المستدرك 2/3..
ومات حكيمٌ سنة خمسين، وقيل: سنة أربع، وقيل: ثمان وخمسين، وقيل: سنة ستين وهو ممن عاش مائة وعشرين سنة شَطرُها في الجاهلية وشطرها في الإسلام. قال عروة: مات لعشر سنوات من خِلاَفةِ معاوية. عمي قبل موته، ووصى إلى عبد اللّه بن الزبير.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال